الثلاثاء, مارس 19, 2019

Header ad
Header ad
آخر الأخبار

يوميات طبيب نفسي

يوميات طبيب نفسي

شبكة أخبار دمشق – رفيف المهنا

/ حدثت هذه القصة خلال يومين متتاليين/

السيدة الأولى

و برغم أنها جاءت تشكي علاقتها السيئة مع النوم و الزوج و الحزن ” التاريخي ” إلا أنها كانت تعرّج دائماً على تفاصيل ذكرياتها مع والدها ، مع تغير ملحوظ في نبرة الصوت و دمعة خفية لا تجتاز مرحلة اللمعان .

فهمتُ بسرعة أن السيدة الستينية أمامي قد فقدتْ والدها في سن التاسعة على يد مرض السرطان ، بعد أن كانت مدللته رغم سفره الدائم .

و عندما أرادتْ الحديث عن لحظاتها الأخيرة معه ، أخذتْ وضعية أخرى و بدأت بالكلام و كأنها تستحضر طاقة إضافية من الذكريات و الصور و الدموع لدرجة أحسستُ فيها أنه قد مات البارحة .

قالت السيدة الجميلة ما معناه :
” أتت عمتي إلى غرفتي، المجاورة لغرفة مرض أبي و طلبت مني أن أترك ألعابي و أتبعها . ما زالت يدها على ظهري إلى الآن ، كبف كانت تدفعني برفق أحياناً إذا ما تسرب خوف إلى قلبي و قدميّ . ما زلت وجوه الناس من أصدقاء و جيران الذي تركوا لي ممراً صغيراً لأعبر عالقة و كأنهم الآن هنا .
كان وجه أبي جميلاً مشرقاً لأن مرضه كان قبل أن يظهر العلاج الكيماوي و يؤذي ما يؤذي من جمال الحياة .
بالإشارة طلب مني قبلة على خده الأيمن ففعلت و لا أندم على شيء أكثر من أني اكتفيت بقبلة واحدة .
كنت أنوي البقاء لفترة أطول لكن عمتي أخذتني من جديد إلى غرفة الألعاب ، فهمتُ يومها أنهم يخفون عني شيئاً خطيراً .
بعد ساعات قليلة مات أبي ذو الوجه المشرق . مات حبيبي تماماً بعد أن ودعني ، و كأنه كان ينتظرني حتى يموت .

السيدة الثانية

أعرفها منذ أربع سنوات ، تزورني مرة كل أسبوعين . توقفتْ عن العمل بسبب مرضها النفسي الذي كان يحرمها النوم و الراحة ، فقد كانت دائمة الاستنفار و كأن حرباً في الجوار .

لقد استقر وضعها الآن و صارت تهتم بجمالها و لبسها على قدر استطاعتها ، لكن ال ٥٥ سنة من عمرها تركت آثارها على اليدين و الوجه و الابتسامات .

في السنين الأولى من زيارتها لعيادتي كانت تتحدث عن استغلال أخواتها لها بسبب كونها الوحيدة بينهن التي لم ترزقها الحياة أطفالاً و لا زوجاً ، ما أجبرها على الإهتمام اليومي بوالدها المريض الذي هو بدوره كان ينبذها و يبغضها جداً رغم كل ما فعلته لأجله .

أما السنة الأخيرة فقد تحسن وضعها جداً و صارت تذهب يومياً للاهتمام بوالدها و تسمع منه ما تسمع من أسوأ العبارات و النعوت بدون أن تتأثر بما يقول ، تمر على الكنيسة في أول الشارع ، تضيء شمعة على نيته و تعود إلى منزلها .

أما سلوك والدها الذي لا تفهمه أبداً ، فقد تفسره أحياناً بأنها البنت الشديدة الاسمرار رغم أن أخواتها الست الباقيات بيضاوات كهذه الورقة البيضاء على طاولة مكتبي .

يدخل الأب المشلول إلى العناية المشددة بعد سوء حالته العامة . يخبرهم الطبيب أن المريض على وشك الرحيل .

تنتظر الأخوات جميعهن في الخارج .
يطلب الأب من الممرضة أن تنادي على ” السوداء ” من بناته ، لتخرج الممرضة و كلها خجل لتقول أمام الجميع :” إنه يطلب رؤية السوداء ” .

تدخل مريضتي” السوداء ” و تجلس إلى جانبه ، يمسك يدها و يرفع عيونه نحوها و يقول : شكراً يا ابنتي .

” تخيل يا دكتور .. إنها المرة الأولى التي يقول لي يا ابنتي papa .. لم يكن يهمني تقديره لي .. فهذا واجبي .. أما كلمة بابا فكانت هدية حياتي منه و لو في آخر لحظة ” تقول زائرتي .

تبقى الابنة بجانب ابيها لدقائق تبكي كل دموع جسدها و حزنها ، ليموت الأب بعد خروجها مباشرة .

تنظر فيّ فخورة كمن انتصر و تقول :” كنت أتوقع هذا ..كنت أتوقع أن يطلب رؤيتي .. لقد كان ينتظر أن يراني حتى يموت .. يموت مرتاحاً “.

يبدو أننا نحمل رغبة عميقة بأن يكون غياب أحبائنا تماماً بعد رؤيتنا ، و كأنهم يحتاجون لإذن منا حتى يذهبوا .. و نحب جداً جداً أن تكون صورتنا آخر ما ودعت عيونهم قبل أن يذهبوا .. كهدية أخيرة منهم و إليهم .

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *