الإثنين, يناير 18, 2021

Header ad
Header ad

نِكُولاس مالبِرَانْش

نِكُولاس مالبِرَانْش

ولد نِكُولاس مالبِرَانْش Nicolas Malebranche في باريس في اليوم السادس من شهر أغسطس سنة ١٦٣٨م، وكان سِقامه وضَعف بِنيتِه داعيةً لانصرافه إلى حياة التفكير والتأمُّل، وقد طالع فيما طالع وهو في سنِّ السادسة والعشرين كتاب ديكارت «رسالة في الإنسان»، فانصرف على الفور إلى قراءة مؤلَّفات ذلك الفيلسوف، ودراسة آرائه دراسة تفصيلية دقيقة، وأنفق في تلك الدراسة سنواتٍ عشرًا أخرج في نهايتها أشهر مؤلَّفاته وعنوانه: «في البحث عن الحقيقة» De la Recherche de la verité ولم يكَدْ يُنشَر هذا الكتاب حتى ارتفع صاحبه إلى أوْج الشهرة في أنحاء أوربا، ويقع هذا الكتاب في جزأين، وقد أُعيد طبعه في حياة مؤلِّفه سِتَّ مرات، وله غير هذا كثير من الكتب الميتافيزيقية واللاهوتية، ولكنها أقلُّ من الكتاب الأول خطرًا.

وافق «مالبرانش» على النتائج التي وصل إليها سلَفُه «جلنكس» فأنكر معه إمكان الاتصال بين العقل والمادة، ثم ذهب إلى أبعَدَ من ذلك، فأنكر أن أجزاء المادة تستطيع أن يؤثِّر بعضها في بعض.

دعا هذا الانفصال بين العنصرَين أن يتساءل مالبرانش: ما سبيلُنا إذن إلى معرفة قوانين الكون المادي، بل ما يُدرينا أنَّ هناك مادة على الإطلاق؟ يُثير مالبرانش هذا السؤال، ثم لا يلبَث أن يُدخِل الله لحل المشكلة كما فعل جلنكس، فيقول: إن التأمُّل الباطني في أنفسنا يؤكِّد لنا أنَّنا كائنات مُفكرة، وأن عقولنا مليئة بالأفكار، ومن بين تلك الأفكار فكرة الله، وهو الكائن الكامل كمالًا مُطلقًا، وكذلك فكرة الامتداد بكلِّ ما يتفرَّع عنها من الحقائق الرياضية والفيزيقية. إننا لم نخلُق هاتَين الفكرتَين، وإذن فقد جاءتا إلى عقولنا من الله، ومعنى ذلك أنهما كانتا في عقل الله قبل أن تَحُلَّا في عقولنا، وقُل هذا في كل ما لدَينا من أفكار مُحددة واضحة، فجميعها من أصلٍ إلهي، ولكن هل وضَعَ الخالق هذه الأفكار في كلِّ نفسٍ جُزئية عند ولادتها؟ كلا، بل إنه الأقرَبُ إلى سهولة الشرح، وأوفى إلى البساطة أن نفرِض بأنَّ الأفكار الإلهية هي وحدَها التي تتمتَّع بالوجود، أعني أن ليس هناك من أفكارٍ إلا ما هو موجود في عقل الله، أي أنَّنا نرى كلَّ شيءٍ في الله لا في نفوسنا، ولكي نتمكن من هذه الرؤية يجب أن نحيا وأن نتحرَّك، بل وأن ندمج وجودنا في الله، فيكون الله هو مُستقر الأرواح جميعًا، كما أنَّ المكان هو مستودع الأجسام، ومعنى ذلك أنَّ الأفكار لا تُوجَد فينا إنما نحن الذين نُوجَد فيما يتألَّف من هذه الأفكار— في الله.

إنَّ الإنسان لا يعرف الأجسام المادية نفسها، ولكنه يعرف مُثُلها الفكرية الكائنة في الله. ولمَّا كان هذا الكون له صورة فكرية تُماثله تمامًا وموجودة في الله أمكننا معرفتها بمشاهدة تلك الصورة الذهنية عنها.

يقول مالبرانش: «إنَّ العقل لا يفهم شيئًا ما إلا برؤيته في فكرة اللانهائي التي لدَيه، وإنه لَخَطأ محْض أن نظنَّ ما ذهب إليه فلاسفة كثيرون من أنَّ فكرة اللانهائي قد تكوَّنَت من مجموعة الأفكار التي نُكوِّنها عن الأشياء الجزئية، بل العكس هو الصحيح، فالأفكار الجزئية تكتسِب وجودها من فكرة اللانهائي، كما أنَّ المخلوقات كلها اكتسبَتْ وجودها من الكائن الإلهي الذي لا يمكن أن يتفرَّع وجوده عن وجودها. يستحيل أن يُفهم العالم الخارجي بذاته، ولا يمكن فَهمه إلا بإدراكنا إيَّاه في الكائن الذي يحتويه، فإن لم نرَ الله، فإننا لن نرى شيئًا آخر.»

كان هذا المذهب الذي ارتآه مالبرانش، وخلاصته هذه العبارة: «إنَّ كلَّ شيءٍ في الله.» مُمهِّدًا لمذهب وحدة الوجود الذي دعا إليه خلَفُه «سبينُوزا»، بل إنَّ وحدة الوجود هي النتيجة المنطقية التي تخرج من مذهب «مالبرانش». ومن العجيب أنه حين نادى «سبينُوزا» بمذهبه كان أشد مُعارضيه «مالبرانش» هذا — وكانا مُتعاصِرَين — مع أن سْبينُوزا لم يزِدْ على أن استخلص النتيجة التي قصر مالبرانش عن استخلاصها من مُقدِّماته.

***
المصدر:
قصة الفلسفة الحديثة (١٩٣٦)

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *