الجمعة, نوفمبر 22, 2019

Header ad
Header ad

نهاية اللعبة التركية في سورية

نهاية اللعبة التركية في سورية

الكاتب: غونول تول – ترجمة: محمود الحرح

أعطت إدارة ترامب في إعلان صاعق يوم الأحد الضوءَ الأخضر لتوغل عسكريّ تركي في شمال شرق سورية، وهي عملية تقتضي مواجهة الكرد حلفاء واشنطن في المنطقة. إن الجيش الأمريكي، الذي لديه نحو 1000 جندي في سورية، لن “يدعم العملية أو يشارك بها”. ستسحب الإدارة القوات الأمريكية المتمركزة قرب الحدود السورية التركية لتمهيد الطريق أمام قوات أنقرة.

ظهر ترامب في حالة تراجع ملحوظة يوم الإثنين، إثر مواجهته سخطاً شديداً حتى بين الجمهوريين. ولكن، تقف وحدات الجيش التركي متأهبةً على الحدود السورية، ومن غير المرجح أن تمنع دعوات واشنطن الرئيسَ التركي رجب طيب أردوغان من إعطاء قواته الضوء الأخضر لبدء العملية. وذلك لأن استراتيجية تركيا هي أكثر من مجرد تدريب في الجغرافيا السياسية – فهذه الحرب بالنسبة لأردوغان، تمس بقاءه السياسي بالذات.
في الحقيقة، انقلبت السياسة التركية تجاه سورية لسنوات على طموح أردوغان في تعزيز حكم الرجل الأوحد في بلاده. لقد دعمت تركيا “المتمردين الإسلاميين” ضد دمشق، فعززت بذلك أوراق اعتماد أردوغان الدينية في الداخل. وبعد حصوله على التأييد الانتخابي الضعيف، أُجبر أردوغان على التحالف مع حزب معارض مناهض للكرد، وتحول هدفه نحو قتال القوات الكردية في سورية. ولا يزال هذا الهدف قائماً حتى اليوم، إلا أنه يقبع في الظل بسبب شأنٍ أكثر إلحاحاً؛ وهو التخلص من ملايين اللاجئين السوريين الذين شقوا طريقهم إلى تركيا على مر سنوات الحرب، ليصبحوا الآن عبئاً على أردوغان. إلا أن الاعتقاد بأن التوغل العسكري الكبير سيحل هذه المشاكل هو حلٌّ غير أكيد. لكن أردوغان مُصَمِّم على المحاولة.

السياسات كلها تركية

لقد تغيرت قواعد اللعبة التركية في سورية تغيراً جذرياً منذ اندلاع الحرب في عام 2011. كانت شعبية أردوغان في ربيع ذلك العام، مرتفعة جداً، وكانت المعارضة العلمانية في حالة تدهور، وكان من المقرر أن يباشر أردوغان برنامجه لأسلمة نظام التعليم في البلاد. أتاح النزاع عبر الحدود في سورية لأردوغان فرصةً لتوسيع أجندته خارجاً. وفي غضون أشهر، تخلّت الحكومة التركية عن الرئيس الأسد، الشريك المقرّب سابقاً، وبدأت بتسليح “المتمردين الإسلاميين” الذين يحاربون دمشق. وسرعان ما أصبحت تركيا مركزاً رئيساً للمعارضة السورية المنفية وقناةً لتدفق المقاتلين “الجهاديين” الأجانب الذين شقوا طريقهم إلى سورية. في نهاية المطاف، غضّت أنقرة نظرها عن عناصر “داعش”، الذين تسللوا من وإلى البلاد أحياناً طلباً للعلاج هناك. طوال ذلك الوقت، فتحت تركيا حدودها لملايين اللاجئين الهاربين من القتال وبَنَت مخيمات واسعة لاستيعاب الوافدين الجدد. جادل أردوغان بأن هذه المبادرة كانت مكلفة للغاية، ولكنها تنمّ من الناحية الأخلاقية عن التعاطف “السّنّي” والتماسك في وجه أفعال الحكومة السورية. لقد ضربت هذه الرواية على الوتر الحساس لدى الجمهور، فبقي صامتاً نسبياً حيال مشكلة تدفّق اللاجئين ليصل عددهم أخيراً نحو 3.6 ملايين من اللاجئين السوريين في تركيا.

مع ذلك، لم تكن أطراف القتال في سورية “متمردين إسلاميين” فقط، بل وعدة ميليشيات كردية أيضاً. كانت هذه أخباراً سيئة بالنسبة لأردوغان. ففي عام 2015، فقد حزب العدالة والتنمية أغلبيته البرلمانية لأول مرة منذ أكثر من عقد، ويعود ذلك جزئياً إلى النجاح غير المتوقع لحزب يمثل الأقلية الكردية في تركيا، والتي يواصل بعض المنتمين إليها جنوب شرق البلاد التمرّد على مستوى منخفض لعقود. أقام أردوغان تحالفاً مع حزب معارضة يميني متطرف معروف بمعارضته الشديدة للقومية الكردية بغرض التمسك بالسلطة. وانتهت عملية السلام التي استمرت لسنوات بين الحكومة والمسلحين الكرد في الجنوب الشرقي من البلاد بشكل مفاجئ.

تغيرت أولويات أردوغان في سورية بعد ذلك. فكانت أنقرة مصممة في تلك المرحلة على تثبيط الجهود الكردية لإقامة حكم ذاتي في المنطقة الممتدة في جنوب شرق تركيا وشمال سورية. قلّت أهمية محاولات الإطاحة بالرئيس الأسد بواسطة الوكلاء “الإسلاميين” نظراً للشأن الأكثر إلحاحاً؛ منع السوريين الكرد من إقامة منطقة حكم ذاتي على امتداد الحدود مع تركيا. وجنّدت تركيا في حلب، آخر معقل لـ “المتمردين” السوريين، أولئك “المتمردين” لمهاجمة القوات الكردية عوضاً عن قتال الجيش السوري، الأمر الذي أدى إلى تقليص عدد القوى البشرية لدى “المتمردين” وسهّل تقدّم الجيش السوري الذي استعاد المدينة في عام 2016. أرسلت تركيا في ذلك العام جيشها الخاص إلى شمال سورية في محاولة لاحتواء الميليشيات الكردية التي تقاتل هناك.

بحلول عام 2017، غيّر أردوغان اتجاهه بشكل كامل، وكانت تعمل أنقرة مع الحكومة السورية وحلفائها. وافقت تركيا وروسيا وإيران على إنشاء العديد ممّا سُمِّيت بمناطق خفض التصعيد، ما أثار فزع المعارضة السورية. نظرياً، كان يتعين على “النظام” و”المعارضة” في هذه المناطق الالتزام بوقف إطلاق النار المحدود، ولكن عملياً، حقق “النظام” مكاسب عسكرية عبر “خرق” الهدن بشكل متكرر، وغالباً بدعم روسي. وفي المقابل، أشاحت دمشق وحلفاؤها النظر عندما شنت تركيا هجوماً عسكرياً آخَرَ على جيب عفرين الكردي في كانون الثاني/يناير 2018.
عودوا لبلدكم
مثلما أدت مخاوف أردوغان الداخلية بشأن الكرد إلى حدوث تحولٍ في أهدافه في سورية، كان الأمر كذلك بالنسبة للمخاوف الداخلية بشأن اللاجئين، إذ يشعر الرئيس التركي بأن سياسة الباب المفتوح قد أصبحت عبئاً داخلياً. شكلت خسارةَ حزبه السيطرة على جميع المدن الكبرى تقريباً في الانتخابات البلدية لعام 2019 ضربة كبيرة جداً لنظام المحسوبية على مستوى المدينة الذي بنى عليه أردوغان سلطته على مدى 25 سنة الماضية. تُعزى هذه الخسارة إلى الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، ولكنها تعكس أيضاً الاستياء الشعبي المتزايد من اللاجئين السوريين في البلاد.

يريد أردوغان الآن، الذي نصّب نفسه كراعٍ شهمٍ لجميع “السّنّة” فيما مضى، إعادة اللاجئين إلى بلدهم. فقد كثفت السلطات التركية عمليات تفتيش المنازل والاعتقالات بحق اللاجئين السوريين. حاولت الدولة إخراج اللاجئين من المدن الكبرى، وخصصت الشرطة خطاً ساخناً لجمع المعلومات عن أولئك الذين يدخلون البلاد بطريقة غير قانونية. وبحسب ما ورد، تم ترحيل بعضهم إلى مدينة إدلب السورية، رغم زيادة حدة القتال هناك.
يُعَدُّ إجبار مئات الآلاف، وربما الملايين، من اللاجئين السوريين على الخروج من البلاد والعودة إلى منطقة حرب أمراً أشبه بالمستحيل، إلا أن أردوغان يفكر بطريقة أخرى. فكان الحلّ، الذي طرحه مؤخراً في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، هو إنشاء منطقة عازلة كبيرة على طول الحدود السورية مع تركيا. ستكون المنطقة بعيدة عن متناول يد القوات الكردية بطول 300 ميل وبعمق 20 ميلاً، تحت السيطرة التركية. ستستضيف هذه “المنطقة الآمنة” وفقاً لأردوغان، نحو 2 إلى 3 ملايين لاجئ، وبالتالي سيريح هذا الحل أنقرة من صداع محلي كبير. وستضم المنطقة نحو 200 ألف منزل، إلى جانب المستشفيات وملاعب كرة القدم والمساجد والمدارس، تبنيها تركيا بتمويل دولي- وهو مخطط من شأنه توفير الإيرادات لقطاع البناء التركي المتعثر في مرحلة التراجع الاقتصادي. إن تأمين التمويل لهذه الفكرة أمرٌ شاقٌ، لكن أردوغان مستعدٌ لتمرير رسالته عبر تهدديه في أيلول/سبتمبر، بأنه “سيفتح البوابات” ويفجر أزمة لاجئين أخرى في أوروبا إذا لم يحصل على مبتغاه [التمويل].

مشكلةٌ قادمةٌ في الأفق

قد يكون اقتراح أردوغان هو الحل الأمثل لمشاكله الداخلية، ولكن من المؤكد أنه سيخلق مجموعة من المشاكل الجديدة لأطرافٍ أخرى، إذ سترسل خطته ملايين اللاجئين العرب السوريين إلى المناطق ذات الأغلبية الكردية داخل سورية –من وجهة نظر أردوغان، ليس ذلك مصادفةً، لأن تغيير البنية العرقية في المنطقة من شأنه تقويض الكرد. لكن القيام بذلك سيزيد التوترات العربية الكردية، ويؤجج الصراع في منطقة مستقرة نسبياً، ويسبب نزوحاً جماعياً في تلك المناطق. لا يمكن لأردوغان بموجب القانون الدولي إجبار اللاجئين السوريين على الرجوع، ومن المؤكد أن معظمهم لن يرحل طواعيةً، حتى إلى المنطقة الآمنة المزعومة. قد تتلقى الاستراتيجية الأمريكية في سورية، والتي اعتمدت بشكلٍ كبيرٍ على الكرد لمنع عودة “داعش”، ضربة قوية. تعد هذه الخطة هبة من الله بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة في سورية –روسيا وإيران والدولة السورية– الذين يعتقدون أنه يمكن لهم البقاء في وضع الاستعداد بينما يسرّعُ التوغلُ التركي الانسحابَ الأمريكي الكامل، كي يتحركوا ويطردوا تركيا ويستعيدوا المنطقة لاحقاً.

يعي العديدُ من المُشرعين الأمريكيين هذا الأمر جيداً، وقد تعرّض ترامب لنقد يستحقه من قبل الديمقراطيين والجمهوريين على حدّ سواء بسبب إذعانه الظاهر للعملية التركية –وهي عملية يجب أن تعمل الولايات المتحدة جاهدة لمنعها. حتى أن أحد أقوى المدافعين عن ترامب السيناتور الجمهوري لولاية كارولاينا الجنوبيّة، ليندسي غراهام، هدّد بفرض عقوبات على الحكومة التركية إذا وضعت قدماً في سورية. لكنه، من المرجح أن أردوغان مهيّأٌ لهذه المجازفة. فسلطته على المحك، وهذا هو كل ما يهمه –حتى لو اقتضى ذلك فرض عقوبات اقتصادية على بلده، وبالتالي، المزيد من الفوضى والمعاناة لسورية.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *