الأحد, نوفمبر 29, 2020

Header ad
Header ad

من كان سيتوقّع أن الحريق الكارثي الذي نشب في كنيسة نوتردام سيكشف العديد من أسرارها من خلال رمادها؟

من كان سيتوقّع أن الحريق الكارثي الذي نشب في كنيسة نوتردام سيكشف العديد من أسرارها من خلال رمادها؟

اجتمع فريق من العلماء لينسقوا بحثًا أساسيًا عميقًا في بنية الكاتدرائية، على أمل أن يفهموا كيف جعل البنّاؤون والحرفيّون المبنى منتصبًا. لم يدوَّن أي شيء ولم تُعتمَد أي خطة. ستستغرق الدراسة تقريبًا ست سنوات ليساعدوا في إنجاح الترميم.

أجّجت الدراسة رغبتي لدراسة الموضوع على نحو أوسع. كتبت في مثل هذا الوقت السنة الماضية عن خلفية الكاتدرائية المعمارية: كجميع الكاتدرائيات القوطية القروسطية، أصول برجَيْها التي تلفّ مدخلًا غربيًا ضخمًا، وأقواسها المسننة، وشبابيكها الوردية وسقفها المضلّع، كلها يمكن أن تعود جذورها إلى الشرق الأوسط.

والآن بعد البحث المكثف اكتشفت الكثير من أوجه الترابط، وجميعها غير متوقعة. وقد ضمّنتها في كتابي “السرقة من العرب المسلمين“.

الشبابيك ذات الزجاج الملون

فلنبدأ بالزجاج الملون، حمدًا لله ما زال سليمًا بعد الحريق. تظهر جميع التحليلات الحديثة في الكاتدرائيات الرئيسة في بريطانيا وفرنسا بين 1200 و1400 ارتفاع نسبة نفس النبات في تركيبة الرماد المستخدم في صناعة الزجاج الملون والمطابق لمواد خام سورية.

اعتُبِر رماد الصودا ذو النوعية الجيدة والمعروف برماد سوريا متفوقًا على رماد النطرون المصري ما قبل الإسلام الذي استخدمه الرومان والبيزنطيون في صناعة الزجاج. وأظهر تحليل جميع زجاج مدينة البندقية منذ القرن الحادي عشر الاستخدام المستمر لرماد الصودا السوري منذ القرن الحادي عشر.

واستوردت أوروبا القارية في القرون الوسطى المواد الخام للزجاج كما لو لم يكن هناك مصدر محلي لها.

يمكن رؤية الورد الصغير المرسوم على الزجاج خلال العمل في الكاتدرائية عام 2019 (الوكالة الفرنسية أف بي إي)

لقد كانت النوافذ الزجاجية الملونة عنصرًا أساسيًا لا غنى عنه في الفن الإسلامي منذ القرن السابع عشر بدءًا من قبة الصخرة في القدس التي احتوت على زجاج ملون في كثير من نوافذها العالية.

وعرفن بالشمسيات والقمريات، ويظهرن كيف استمرت الصورة الشمسية والقمرية للشبابيك في العمارة الأوروبية الدينية.

ويعود تاريخ الشبابيك الوردية لكنيسة نوتردام للجهتين الشرقية والغربية إلى الأعوام 1225-1250، وهي مصمَّمة ليشع الضوء من المركز وهذا ما يسمى بطراز رايونانت Rayonnant style.

وكان الضوء أيضًا في محور تصميم الكتادرائية القوطي. وفي سان دوني في شمال فرنسا اعتمد كبير الأساقفة الغني والقوي سوجر التفكير الإستشراقي Illuminationist لأول مرة مبدأً يسترشد به في كنيسته الجديدة. لكن من هو دوني؟

زهرة الزنبق

اعتقد معاصرو كبير الأسقف الذي استشهد على أرض مونمارت أنه تلميذ بولس والذي خُلِط لاحقًا بينه وبين أسقف باريس الأول وقديس فرنسا.

وأدرك الباحثون عمل دوني المهم “التراتبية السماوية” في القرون اللاحقة الذي كتبه راهب سوري في القرن الخامس والذي سمّى نفسه دوني لكي يلفت الأنظار نحو فلسفته أنه كان في الحقيقة مختلَقًا.

وعُرفَ نتيجةً لذلك في الأوساط الكَنَسية بـ”دوني زائف“، لكن حيلته نجحت. وكنيسة سان دوني معروفة اليوم بأنها أول مثال على القوطية بأقواس طويلة ومدببة مفسحة المكان للجوقة الأنيقة. واستُخدمت فصاعدًا مقامًا للملوك الفرنسيين.

إن رمز كل من المواطنة والملكية الفرنسيتين بحد ذاته هو زهرة الزنبق. لكن متى شوهدت أول مرة كشعار؟

وعلى سهول سوريا أخذ الصليبيون رياضة الجريد*، وهي مبارزات فروسية دورية على ظهر الحصان حيث يحاول المتبارزون أن يُنزلوا بعضهم البعض عن ظهر الجواد برمح حاد.

استُخدِم كل من الشعار ورموز العائلة أو المتعلقة بالسلالة في ظل حكم الأيوبيين، وظهرت زهرة الزنبق أول مرة كشعار حقيقي بثلاث ورقات مربوطة بشريط في المنتصف كشعار لنور الدين زنكي واثنين من نصبه التاريخية في دمشق في القرن الثاني عشر.

احتوت الخوذ المملوكية لاحقًا على واقيات أنف تنتهي بزهرة الزنبق. وتُوّجَ هنري السادس الملك الشاب لفرنسا في عمر العاشرة في كنيسة نوتردام عام 143 وخلفه شعار زهرة الزنبق.

اكتشاف غير محتمَل

تحمل البوابة المركزة للكاتدرائية حكاية خيمياء رمزية منحوتة على الصخر، امرأة تحمل كتبًا مع سلم وقضيب. وإن كلمة الخيمياء بحد ذاتها هي من الكلمة العربية الكيمياء، وقد عُرف الشرق الأوسط على نطاق واسع بأنه موطن العلم التجريبي المتقدم في العصور الوسطى.

وإن استعمال المُران في الزجاج بحد ذاته يعد شكلًا من الخيمياء، وهي تجربة يُضاف فيها نبات قاعدي يسمّى بالأشنان إلى سيليكا الحصى المسحوق من نهر الفرات حيثُ أنتج أجود أنواع الزجاج وأرقّه في الرَّقة وهو مركز صناعة الزجاج في سوريا من القرن التاسع حتى الرابع عشر.

وإن إضافة العديد من الكيماويات أعطت الزجاج لونًا، فعنصر الكوبالت الكيميائي يعطي اللون الأزرق، وأكسيد النحاس يعطي الزجاج اللون القرمزي وما إلى ذلك.

يظهر في الصورة الزجاج الملون بداخله الفقاعات

لكن للمُران السوري أيضًا خصائص أخرى. واستُخدِمَ منذ العصور القديمة كمُنظّف حينما لم يكن هناك وصول إلى الماء، للنظافة الشخصية والغسيل.

حتى اليوم لا يزال المرّان مكونًا رئيسيًا في صناعة الصابون السوري إذ أن هذه النبتة تنمو في جنوب حلب حول بحيرة جبول الملحية. وهذا ما يمنح صابونة حلب ملمسًا ناعمًا بشكل مدهش على البشرة، وحتى أنها تحتوي على فقاعات عالقة من الداخل كما هو الحال في الزجاج السوري. أيضًا تعطي هذه الفقاعات الزجاج قوة إضافية مما يجعلها أقل هشاشةً وأقل عرضةً للكسر مما يساعد على تفسير المعجزة في نجاة زجاج الكاتدرائية من الحريق.

توصل العلماء في نوتردام إلى اكتشافهم الخاص حول التنقية: إن أفضل سبيل لإزالة غبار الرصاص الأصفر من النوافذ الزجاجية الملونة دون المساس بالألوان هو باستخدام مناديل الأطفال المبللة من شركة مونوبري التجارية. وإن المناديل المبللة التجارية المحتوية على المواد الكيميائية كانت معرِّضةً الزجاج للكشط، ومما لا شك فيه أن صابونة حلب ستكون أفضل.

وكم سيكون ملائمًا إذا نُظّفت كاتدرائية نوتردام باستخدام رماد النبات نفسه الموجود فعلًا في نوافذها الزجاجية الملونة.

المحطة

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *