الأربعاء, نوفمبر 25, 2020

Header ad
Header ad

مفهوم يوم الحساب و اﻟﺠﻨﺔ ﻓﻲ الميثولوجيا المصرية القديمة .

مفهوم يوم الحساب و اﻟﺠﻨﺔ ﻓﻲ الميثولوجيا المصرية القديمة .

ﻟﻘﺪ ﻛﺎن اﻟﻔﻜﺮ اﻟﺪﻳﻨﻲ ﻋﻨﺪ اﻟﻤﺼﺮي اﻟﻘﺪﻳﻢ زاﺧﺮ ﺑﺎﻟﻌﻤﻖ واﻟﺮوﺣﺎﻧﻴﺎت ﻋﻜﺲ ﻣﺎ ﻳﺒﺪو ﻋﻠﻴﻪ ﻟﻐﻴﺮ اﻟﻤﻄﻠﻌﻴﻦ ﻋﻠﻰ اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ اﻟﻤﺼﺮﻳﺔ، ﻓﻘﺪ ﺗﻤﻴﺰ اﻟﻤﺼﺮيون ﻣﻦ اﻟﻨﺎﺣﻴﺔ اﻟﺘﺄﻣﻠﻴﺔ واﻟﺮوﺣﻴﺔ ﺑﺎﻟﺘﻮﺣﻴﺪ اﻹﻟﻬﻲ ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺗﻔﺮﻳﺪ، واﻟﻔﻠﺴﻔﺔ اﻟﻤﻌﻘﺪة اﻟﻌﻤﻴﻘﺔ ﻋﻮﻳﺼﺔ اﻟﻔﻬﻢ اﻟﺘﻲ ﺗﺤﺘﺎج ﻟﺘﻘﻠﻴﺒﻬﺎ ورﻗﺔ ورﻗﺔ والاﺳﺘﻤﺘﺎع ﺑﻬﺎ داﺧﻞ ﺛﻨﺎﻳﺎ اﻟﻌﻘﻞ واﻟﻘﻠﺐ، وﻟﻌﻞ أﻛﺒﺮ دﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﻫﺬا ﺣﺞ اﻟﻔﻼﺳﻔﺔ وﻋﻠﻤﺎء اﻹﻏﺮﻳﻖ إﻟﻰ ﻣﺼﺮ ﺟﺴﺪﻳًﺎ أو ﻓﻜﺮﻳًﺎ ﻟﻴﻨﻬﻠﻮا ﻣﻦ ﻣﻮاردﻫﺎ اﻟﻤﺘﻌﺪدة اﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﻨﻀﺐ، أﻣﺜﺎل ﻃﺎﻟﻴﺲ وأﻧﺎﻛﺰﻳﻤﺎﻧﺪر وﻓﻴﺘﺎﻏﻮرس ودﻳﻤﻮﻛﺮﻳﺘﻮس وﻟﻮﺳﻴﺒﻲ واﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ اﻟﻘﺎﻣﺎت اﻹﻏﺮﻳﻘﻴﺔ .

ﻟﻘﺪ آﻣﻦ اﻟﻤﺼﺮي ﻗﺪﻳﻤًﺎ أن ﺣﻴﺎﺗﻪ ووﺟﻮده ﻣﻬﻢ ﻓﻬﻮ ﺧُﻠﻖ ﻣﻦ إﻟﻪ اﻟﺨﻠﻖ ﺧﻨﻮم اﻟﺬي ﺳﻮّاه ﺑﺎﻟﻄﻴﻦ وﻧﻔﺦ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ روﺣﻪ اﻹﻟﻬﻴﺔ، ﻓﺎﻟﻤﺼﺮي ﻣﺰﻳﺞ ﻣﻦ ﻧﺎﺳﻮت وﻻﻫﻮت، وﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻶﻟﻬﺔ أن ﺗﻠﻘﻴﻪ ﻟﻠﻌﺪم وﺗﻘﺰﻣﻪ ﺑﻨﺴﻴﺎﻧﻪ ﻋﻨﺪ اﻟﻤﻮت، وﺑﺬﻟﻚ ﻓﺈن اﻟﻤﺼﺮي وﻗﺘﻬﺎ ﻛﺎن ﻟﺪﻳﻪ إﻳﻤﺎن ﺑﻮﺟﻮد ﺣﻴﺎة ﺑﻌﺪ اﻟﻤﻮت، ﻳﻜﻮن ﻗﺒﻠﻬﺎ ﺣﺴﺎب ﻣﻐﻠﻒ ﺑﺎﻟﻌﺪل اﻟﻤﺎﻋﺘﻲ (ﻣﺎﻋﺖ إﻟﻬﺔ اﻟﻌﺪل)، وﻟﻌﻞ أﻛﺜﺮ ﺷﻲء أﻋﻄﺎﻧﺎ أﻓﻜﺎرًا ﺣﻮل ﻣﻔﻬﻮم يوم الحساب اﻟﻤﺼﺮي، ﻫﻲ ﻣﺎ وﺻﻠﻨﺎ ﻣﻦ ﻧﺼﻮص ﺟﻨﺎﺋﺰﻳﺔ ﺗﻌﺮف ﺣﺎﻟﻴًﺎ ﺑﻜﺘﺎب اﻟﻤﻮﺗﻰ اﻟﺬي ﻛﺎن ﻳﺴﺮد رﺣﻠﺔ اﻟﻤﺼﺮي اﻟﻘﺪﻳﻢ ﻣﻦ ﻣﻮﺗﻪ ﻟﺤﺴﺎﺑﻪ وﻣﺼﻴﺮه اﻟﻤﻘﺪر اﻟﺬي ﻗﺮرﺗﻪ أﻋﻤﺎﻟﻪ اﻟﺪﻧﻴﻮﻳﺔ وإﻳﻤﺎﻧﻪ (٢).

وﻷن اﻟﻘﻠﺐ رﻣﺰ اﻟﻨﻮاﻳﺎ واﻟﺼﻔﺎء واﻟﻮﺿﻮح ﻓﻘﺪ ﻛﺎن ﻳﺘﺮك ﻋﻨﺪ اﻟﺘﺤﻨﻴﻂ ﺑﺠﺴﺪ اﻟﻤﻴﺖ، ﻷﻧﻪ ﻛﺎن ﻃﺮﻓًﺎ ﻓﻲ اﻟﺤﺴﺎب ﺣﻴﻦ ﻳﻜﻮن اﻟﻤﺮﺗﺤﻞ ﻓﻲ ﺣﻀﺮة ﻣﺎﻋﺖ إﻟﻬﺔ اﻟﻌﺪاﻟﺔ واﻟﻨﻈﺎم وأﻧﻮﺑﻴﺲ ﺣﺎرس اﻟﻤﻘﺎﺑﺮ ورب اﻟﺘﺤﻨﻴﻂ ﻣﻊ اﻟﻘﻀﺎة الاﺛﻨﻴﻦ واﻷرﺑﻌﻴﻦ اﻟﺬﻳﻦ ﻛﺎﻧﻮا ﻳﻤﺜﻠﻮن أﻗﺎﻟﻴﻢ ﻣﺼﺮ، ﻓﻴﺼﻴﺮ اﻟﻘﻠﺐ ﻓﻲ ﻛﻔﺔ ﻣﻴﺰان اﻟﺤﺴﺎب ﻣﻊ رﻳﺸﺔ ﻣﺎﻋﺖ اﻟﺘﻲ ﺗﺮﻣﺰ ﻟﻠﻌﺪاﻟﺔ واﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺑﺎﻟﻜﻔﺔ اﻷﺧﺮى، ﻣﻨﺘﻈﺮًا ﺗﻮازن اﻟﻜﻔﺘﻴﻦ ﻣﻌًﺎ، وﻟﻴﺲ أن ﺗﻐﻠﺐ ﻛﻔﺘﻪ ﻋﻠﻰ ﻛﻔﺔ رﻳﺸﺔ ﻣﺎﻋﺖ، إﻧﻪ اﻟﺘﻮازن اﻟﻤﺘﻨﺎﻏﻢ اﻟﺬي ﺗﺘﻤﻴﺰ ﺑﻪ ﻣﺎﻋﺖ وﻣﺤﺎﻛﻤﺔ اﻵﻟﻬﺔ اﻟﻤﺼﺮﻳﺔ، ﻓﻴﻘﻮل اﻟﻤﺮﺗﺤﻞ ﻷﻧﻮﺑﻴﺲ “ﻟﻴﻜﻦ اﻟﻤﻴﺰان اﻟﺬي ﺳﻮف ﺗﻀﻌﻪ ﻳﺎ أﻧﻮﺑﻴﺲ ﻓﻲ اﻟﻘﻠﺐ”، ﻓﺤﺴﺎب اﻟﻤﺼﺮي ﻫﻨﺎ ﻻ ﻳﺘﻢ ﺑﺎﺳﺘﻮاﺟﺒﻪ ﻓﻘﻂ ﺑﻞ ﺑﺎﺳﺘﺠﻮاب ﻗﻠﺒﻪ روﺣﻴًﺎ وإﻟﻬﻴًﺎ، ذاك اﻟﻘﻠﺐ اﻟﺬي ﺑﻪ ﺣﻘﻴﻘﺔ اﻟﻨﺎس ﻣﻦ ﻣﺸﺎﻋﺮ وﻧﻮاﻳﺎ وأﻋﻤﺎل ﻓﻲ ﻧﻈﺮ اﻟﻔﻜﺮ اﻟﺠﻤﻌﻲ .

ﻏﻴﺮ أن اﻟﻤﺮﺗﺤﻞ ﻫﻨﺎ وﻗﺒﻞ وﺿﻊ ﻗﻠﺒﻪ ﻳﺨﺎﻃﺐ ﻛﻞ ﻛﻴﺎن إﻟﻬﻲ ﺑﻤﺎ ﻳﺴﻤﻰ ﺑﺎلاﻋﺘﺮاف اﻟﺴﻠﺒﻲ، ﻣﺜﻞ ﻗﻮﻟﻪ ﻵﻟﻬﺔ ﻣﻌﻴﻨﺔ “اﻟﺘﺤﻴﺎت ﻟﻚ ﻳﺎ ﻣﻦ ﺗﻠﺘﻬﻢ اﻟﻈﻞ ﻳﺎ ﻣﻦ أﺗﻴﺖ ﻟﻠﻮﺟﻮد ﻓﻲ اﻟﻘﺮﻧﺔ، أﻧﺎ ﻟﻢ أﻗﺘﻞ، أﻧﺎ ﻟﻢ أﺳﺒﺐ اﻷذى ﻷي إﻧﺴﺎن، اﻟﺘﺤﻴﺎت ﻟﻚ أﻳﻬﺎ اﻟﻠﻬﻴﺐ اﻟﺬي ﻳﺄﺗﻲ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺘﺮاﺟﻊ، إﻧﻲ ﻟﻢ أﻧﻄﻖ ﺑﺎﻷﻛﺎذﻳﺐ، اﻟﺘﺤﻴﺎت ﻟﻚ ﻳﺎ ﻣﻦ ﺧﻄﻮاﺗﻚ ﻟﻠﻮراء، ﻳﺎ ﻣﻦ أﺗﻴﺖ ﻣﻦ ﻣﺪﻳﻨﺔ ﺑﺎﺳﺖ، إﻧﻲ ﻟﻢ أرﺗﻜﺐ ﻧﻤﻴﻤﺔ”، أﻣﺎ ﺑﻌﺪ ﻣﺨﺎﻃﺒﺔ ﻛﻞ ﻛﻴﺎن ﻓﺈن اﻟﻤﺮﺗﺤﻞ ﻫﻨﺎ ﻳﺒﺪأ ﺑﺴﺮد أﻋﻤﺎﻟﻪ ﺑﺸﻜﻞ ﻋﺎم ﻣﻠﺘﻤﺴًﺎ ﻟﻪ اﻟﺼﻼح واﻟﺠﺰاء اﻟﺤﺴﻦ ﻗﺎﺋﻼً:

ﻟﻘﺪ ﻣﻨﺤﺖ اﻟﺨﺒﺰ ﻟﻠﺠﺎﺋﻊ واﻟﻤﺎء ﻟﻠﻌﻄﺸﺎن واﻟﺜﻮب ﻟﻠﻌﺮﻳﺎن وﻣﻨﺤﺖ اﻟﻘﺎرب ﻟﻤﻦ ﻻ ﻗﺎرب ﻟﻪ وﻗﺪﻣﺖ اﻟﻘﺮاﺑﻴﻦ ﻟﻠﻨﺘﺮو “آﻟﻬﺔ” واﻷﺿﺎﺣﻲ ﻟﻸﺧﻮ “ﻛﺎﺋﻨﺎت ﻧﻮراﻧﻴﺔ”، أﻧﺎ ﻃﺎﻫﺮ اﻟﻴﺪ واﻟﻔﻢ، وأﻳﻨﻤﺎ أذﻫﺐ أﻟﻘﻰ اﻟﺘﺮﺣﺎب ﻣﻦ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﺮاﻧﻲ، ﻟﻘﺪ أﺗﻴﺖ ﻟﺤﻀﺮة اﻟﻤﺎﻋﺖ ﻷﻛﻮن ﺷﺎﻫﺪًا ﻋﻠﻰ اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ.

وﻟﻜﻲ ﺗﺘﺰن ﻛﻔﺘﻲ اﻟﻤﻴﺰان ﻓﻲ اﻟﻤﻜﺎن اﻟﻤﻘﺪس ﺑﻌﺪ إﻧﺠﺎز اﻟﻤﺮاﺣﻞ اﻟﻤﻄﻠﻮﺑﺔ وﻣﻬﻤﺎت وﻋﻮاﺋﻖ أﺧﺮى ﺗﻌﺘﺮض اﻟﻤﺮﺗﺤﻞ ﺑﺈﺷﺮاف ﻣﻦ ﻣﺎﻋﺖ، ﻋﻨﺪﻫﺎ ﻳﻤﻜﻨﻪ اﻟﻌﺒﻮر ﻷﺧﺬ اﻟﻤﻮاﻓﻘﺔ اﻟﻨﻬﺎﺋﻴﺔ وﺗﻘﺮﻳﺮ ﻣﺼﻴﺮه ﻣﻦ أوزﻳﺮﻳﺲ إﻟﻪ اﻟﺤﺴﺎب، وﺑﻬﺬا ﺗﺘﻢ ﻣﺤﺎﻛﻤﺔ اﻟﻤﺮﺗﺤﻞ ﺑﺸﻜﻞ ﻋﺎدل وﺻﺎدق ﻓﻴﻜﻮن ﺑﻴﻦ أﻣﺮﻳﻦ إﻣﺎ اﻟﺨﻠﻮد واﻟﻤﺮور ﻟﻠﺠﻨﺔ أو ﻣﻮاﺟﻬﺔ اﻟﻌﻘﺎب اﻷﺑﺪي اﻟﺬي ﻻ رﺟﻌﺔ ﻓﻴﻪ، وﻷن ﻣﻮﺿﻮﻋﻨﺎ ﻋﻦ اﻟﺠﻨﺔ ﻛﺬﻟﻚ ﺳﺄﻧﺘﻘﻞ ﻟﻠﺤﺪﻳﺚ ﻋﻨﻬﺎ ﻣﺤﺎوﻟﺔً الاﺧﺘﺼﺎر ﻓﻲ وﺻﻔﻬﺎ .

رﻏﻢ اﻟﻌﻤﻖ اﻟﺪﻳﻨﻲ واﻟﺮوﺣﻲ اﻟﺬي ﺗﻤﻴﺰ ﺑﻪ اﻟﻤﺼﺮي إﻻ أﻧﻪ ﻛﺎن ﺑﺴﻴﻄًﺎ وﻫﻮ ﻳﻀﻊ أول اﻟﺨﻴﻮط ﻟﻠﻮﺻﻮل إﻟﻰ ﺟﻨﺘﻪ، ﻓﺠﻨﺔ اﻟﻤﺼﺮﻳﻴﻦ ﺑﺴﻴﻄﺔ ﻟﻜﻨﻬﺎ ﺣﻤﻴﻤﻴﺔ وداﻓﺌﺔ، ﺗﻌﺒﺮ ﻋﻦ ﺗﺠﻨﺐ اﻟﻤﺼﺮي ﻟﻠﻄﻤﻊ ﻐﻴﺮ اﻟﻤﺤﺪود، واﻛﺘﻔﺎﺋﻪ ﺑﻤﺎ ﻳﺤﺒﻪ ﻗﻠﺒﻪ ﻣﻦ دون أي ﻣﺒﺎﻟﻐﺎت، ﻓﺄﻫﻢ ﺷﻲء ﻫﻮ اﻟﺤﻴﺎة اﻟﻜﺮﻳﻤﺔ اﻟﺘﻲ ﻛﺎن ﻳﻄﻤﺢ ﻟﻠﺨﻠﻮد ﻓﻴﻬﺎ، وﻣﻦ اﻟﻨﺼﻮص اﻟﻤﺼﺮﻳﺔ اﺳﺘﻄﺎع ﻋﻠﻤﺎء اﻟﻤﺼﺮﻳﺎت أن ﻳﻌﺮﻓﻮا ﻫﺬه اﻟﺠﻨﺔ اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﻓﻲ ﺧﻴﺎل اﻟﺸﻌﺐ اﻟﻤﺼﺮي، ﻓﻘﺪ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﺠﻨﺔ ﺑﺴﻴﻄﺔ؛ وﻫﻲ أن ﻳﻌﻴﺶ ﻓﻴﻬﺎ اﻟﻤﺼﺮي ﻋﻠﻰ اﻷرض ﺑﺴﻼم وﻫﺪوء وﻳﻨﻌﻢ ﻓﻴﻬﺎ ﺑﺎﻟﺠﻤﺎل اﻟﻄﺒﻴﻌﻲ واﻟﻤﻠﺬات اﻟﺘﻲ ﺗﺠﻮد ﺑﻬﺎ ﻫﺬه اﻷرض، ﻣﺜﻞ اﻟﻌﻨﺐ وأﺷﺠﺎر اﻟﻨﺨﻴﻞ وأشجار اﻟﺘﻴﻦ اﻟﻤﺒﺎرﻛﺔ ﻛﻤﺎ وُﺻﻔﺖ، وﻳﺘﻨﺎول ﻓﻴﻬﺎ ﻃﻌﺎم وﺧﻤﺮ اﻟﺨﻠﻮد اﻟﺬي ﻻ ﻳﻔﻨﻰ، وأن ﻳﻜﺘﺴﻲ ﺑﺄﺛﻮاب راﻗﻴﺔ ﻛﻤﺎ ﺗﻜﺘﺴﻲ اﻵﻟﻬﺔ ﻣﻊ ﺻﻨﺎدل ﺟﻤﻴﻠﺔ ﺑﻴﻀﺎء، وﺑﻘﺮﺑﻪ أﻧﻬﺎر ﻣﻦ اﻟﻤﻴﺎه اﻟﺼﺎﻓﻴﺔ وﺣﻘﻮل ﻣﻦ اﻟﻘﻤﺢ واﻟﺸﻌﻴﺮ.

إن اﻟﺪﻳﺎﻧﺔ اﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻓﻴﻬﺎ إﻏﺮاء ﺑﺒﺤﺎر ﻣﻦ ﻋﺴﻞ وأرض ﻣﻔﺮوﺷﺔ ﺑﺎﻟﺬﻫﺐ وﻗﺼﻮر ﻣﻦ ﻟﺆﻟﺆ، ﺑﻞ ﻛﺎﻧﺖ ﺑﺴﻴﻄﺔ ﺗﺘﻤﻴﺰ ﺑﺎﻟﺤﻴﺎة اﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ اﻟﺘﻲ ﻳﺮﻳﺪﻫﺎ اﻟﻤﺼﺮي، وﻣﻦ اﻟﻨﺼﻮص اﻟﺘﻲ ﻳﺴﺄل ﻓﻴﻬﺎ اﻟﻤﺘﻮﻓﻲ ﻋﻦ اﻟﺠﻨﺔ ﻫﺬا اﻟﻨﺺ اﻵﺗﻲ: “هﻞ ﻳﻤﻜﻨﻨﻲ أن أﺻﺒﺢ ﺧﻮ (روح، وﻓُﺴﺮت ﻛﻨﻔﺲ وﻧﻮر أﻳﻀًﺎ)، ﻫﻞ ﻳﻤﻜﻨﻨﻲ أن أﺗﻨﺎول ﻃﻌﺎﻣﻲ ﻓﻴﻬﺎ، أن أﺷﺮب ﻓﻴﻬﺎ، أن أﺟﺪ ﻓﻴﻬﺎ، أن أﺣﺮث ﻓﻴﻬﺎ، أن أﻗﺎﺗﻞ، أن أﻣﺎرس اﻟﺠﻨﺲ ﻓﻴﻬﺎ، ﻫﻞ ﻣﻦ اﻟﻤﻤﻜﻦ أن ﺗﺼﺒﺢ ﻛﻠﻤﺎﺗﻲ ﻣﺴﻤﻮﻋﺔ، وأﻻ أﻛﻮن ﻓﻲ وﺿﻊ اﻟﻌﺒﻮدﻳﺔ ﻓﻴﻬﺎ، ﻫﻞ ﻳﻤﻜﻦ أن أﻛﻮن ﻓﻲ وﺿﻊ اﻟﺴﻠﻄﺔ ﻓﻴﻬﺎ”.

أﻣﺎ ﻣﻦ اﻟﻨﺎﺣﻴﺔ اﻟﺠﻨﺴﻴﺔ ﻓﺈن اﻟﺠﻨﺔ ﺑﻬﺎ ﺟﻨﺲ وزواج، ﻟﻜﻨﻪ ﻋُﺪّ ﻛﺸﻲء ﻃﺒﻴﻌﻲ ﻳﺴﺘﻤﺮ ﻣﺜﻞ اﻟﺤﻴﺎة اﻷوﻟﻰ، أي أن اﻟﻤﺼﺮي وﻛﻤﺎ ﻗﺎل ﻋﺎﻟﻢ اﻟﻤﺼﺮﻳﺎت واﻻس ﺑﺪج ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳﺠﻌﻞ اﻟﻨﺴﺎء ﻓﻲ اﻟﺠﻨﺔ ﻛﺘﺮﻏﻴﺐ أو ﺟﺎﺋﺰة ﻳﻜﺎفأ ﺑﻬﺎ، ﺑﻞ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﺠﻨﺔ ﻣﺜﻞ ﺣﻴﺎﺗﻨﺎ اﻟﺤﺎﻟﻴﺔ ﻟﻜﻦ ﺗﺴﻴﺮ ﺑﻤﺜﺎﻟﻴﺔ ﻣﻦ دون أي ﻣﻨﻐﺼﺎت أو ﻣﺸﺎﻛﻞ، ﻓﻴﻤﻜﻨﻚ أن ﺗﺘﺰوج ﻓﻴﻬﺎ وﺗُﻜﻮن أﺳﺮة وﺗﻔﻌﻞ ﻣﺎ ﻳﺤﻠﻮ ﻟﻚ، إﻧﻬﺎ ﺟﻨﺔ ﺟﻤﻴﻠﺔ ﺑﻌﻴﺪة ﻋﻦ اﻟﻄﻤﻊ وﻗﺮﻳﺒﺔ ﻟﺮوح اﻟﺒﺴﺎﻃﺔ واﻟﺪفء اﻟﺘﻲ ﻛﺎن اﻟﻤﺼﺮي ﻳﺘﻮق إﻟﻴﻬﺎ، وﻟﻘﺪ وﺻﻠﺘﻨﺎ ﻋﺪة ﻧﺼﻮص ﺗﺘﺤﺪث ﻋﻦ وﺟﻮد ﺳﻼﻟﻢ ﻳﺘﺴﻠﻘﻬﺎ اﻟﻤﺮﺗﺤﻞ ﻟﻠﻮﺻﻮل إﻟﻴﻬﺎ، إﺿﺎﻓﺔً إﻟﻰ ﻣﺠﺴﻤﺎت ﺗﺸﻜﻞ اﻟﺴﻠﻢ وُﺟﺪت أﻳﻀًﺎ (٥).

ﻟﻘﺪ ﻋﺒﺮت اﻟﺠﻨﺔ اﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻋﻦ ﺗﻮاﺿﻊ وﺑﺴﺎﻃﺔ اﻟﻤﺼﺮي اﻟﻘﺪﻳﻢ، وﻋﻦ آﻣﺎل وﺗﻄﻠﻌﺎت ﺟﻤﻴﻠﺔ ﻛﺎن ﻳﻤﺘﺎز ﺑﻬﺎ، ورﺑﻤﺎ ﻳﻌﻮد ﻫﺬا إﻟﻰ ﻃﺮﻳﻘﺔ ﻋﻴﺸﻪ وﺑﻴﺌﺘﻪ اﻟﺪاﻓﺌﺔ وﺗﻔﻜﻴﺮه اﻟﻔﺮﻳﺪ ﻣﻦ دون أي اﺻﻄﻨﺎع وﻣﺒﺎﻟﻐﺔ، وااﻛﺘﻔﺎء ﻓﻘﻂ ﺑﺄرضٍ وﺳﻼمٍ ودفء.

المحطة

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *