الثلاثاء, أكتوبر 15, 2019

Header ad
Header ad

على ” الدوّار”

على ” الدوّار”

خاص شبكة أخبار دمشق – رفيف المهنا

و أنا أنتظر سيارةً لتقلّني لمحطة الميترو ، أخترت أن أقف بجانب ” دوّار ” رئيسي في البلدة التي أعيش فيها ، و رحتُ بدون قصد و لا نيّة مسبقة أتابع سلوك سائقي السيارات في هذا الدوّار ، الذي كان دائرة كبيرة بأربع مداخل و أربع مخارج .

كان مدهشاً جداً درجة التمايز و الاختلاف في سلوك السائقين قبل دخول الدوار و أثناء الدخول فيه و بعد الخروج منه ، حتى أنني أحببت أن أقارب بين هذا السلوك و سلوك البشر عموماً أمام أي مواجهة و تقارب مع الآخرين ، عندما يصير دوار السيارات أكثر منطقة يلتقي فيه الناس .

• هناك سيارات تخفف من سرعتها بالتدريج قبل الوصول للدوار ، و تختار من الشارع حارة الدخول المتناسبة مع حارة الخروج ، و هي تضيء المؤشر اليميني أو اليساري لتساعد باقي السيارات في الدوار على توقع مسارها و تتفادى الإزعاج و سوء الفهم و الحوادث .
إنها تماماً ك ” الشخصية المثالية ” التي تهتم بكل التفاصيل التي تخصها و تخص الآخرين حتى يكون حضورها و عبورها سلساً و لطيفاً .

• و هناك سيارات تتعامل مع الدخول للدوار بتوتر و قلق شديدين ، فهم يدخلونه عندما يصير شبه فارغ و لا يتحركون قيد أنملة ما دام هناك سيارة واحدة تدور و لو بعيدة ، حتى و لو بدأت السيارات خلفهم ترسل إشارات الامتعاض و الضجر ب ” زمامير ” سريعة . إنهم يخافون أي احتكاك مهما كان طبيعياً و مفهوماً ، يخرجون من الدوار بأكفّ متعرقة على المقعد و هم يتنفسون الصعداء .
إنها ” الشخصية القلقة” التي لا يمكن أن تتوقع إلا أسوأ السيناريوهات و على أساسها تتصرف ، إنها تخاف القانون و تخاف الآخر .

• و هناك سيارات مسرعة تخفف من سرعتها فقط قبل دخول الدوار عن طريق ” الفرامات” الحادة و المرهِبة لباقي السائقين ، كأنها تطبق القانون الذي يُعطي أولولية المرور من الدوار بشكل إجباري و مزعج ، و تدخل الدوار بنصف جسمها تدريجياً لتُجبر السائقين في الدوار على ” تفادي ” الحوادث و الشرور فيسمح البعض لها بالمرور رغم سوء السلوك ، إلى أن تأتي سيارة لا تعطيهم حق ” المرور الاستثنائي بفعل التخويف و الترهيب ” و تبدأ المشاكل و المشاحنات و ” الزمامير ” و المسبات .
هذا النوع يشبه ” الشخصية الحدّية” المتوترة و هم الذين يعتبرون الآخر و القانون مصدر ازعاج ” مؤقت” لهم و كل شيء حولهم عليه أن يدور لمصلحتهم ، فقط ، يشبهون كثيراً أطفالنا المدللين .

• و هناك سيارات مسرعة ، لكنها تقف باحترام قبل الدوار . أما ما يميزها هو أن دخولها يكون سريعاً ذكياً بدون خطر يُذكَر ، إنها ” الخطرة بلا خطر ” ، و إن حدث و ضايقت سيارة أخرى نجد السائق يعتذر من جاره المزعوج بيد مرفوعة أو ابتسامة صادقة أو كاذبة .
إنها تشبه ” الشخصية المتأقلمة” التي تمزجُ جيداً بين القانون و الآخر فلا تضايق أحدهما أو كلاهما إلا بالدرجة التي تسمح بها إنسانية القانون و تحمل الواقع .

…..

تذكرتُ و أنا أراقب منطقة الدوار ، هذه المنطقة الحارة من التواصل ، كيف أن دولاً أخرى فضلت تفادي الدوار كمنطقة تواصلٍ خطرة ، و قررت أن تكون الإشارات الضوئية هي فقط من يعطي أحقية المرور حيث يكون للقرار الإنساني مساحة تعادل الصفر تقريباً .

….

أخيراً : رغم أن القانون يحاول دائماً جعل كل الناس من شكل واحد و بسلوك واحد ، إلا أن تنوع الشخصيات سيبقى موجوداً مهما حاولنا عكس ذلك .

هذا التنوع أمر غريزي يتفوق برأيي على أي رغبة تنظيمية للقانون .
و أعتقد أنه من النضج بمكان أن نحاول النظر لهذا التنوع بعين الرأفة و الرحمة ، لا بعين الحكم الأخلاقي و التصنيف ، حتى نصل لمكان نقتنع فيه أننا بحاجة لكل شخصية من شخصياتنا حتى تلك التي قد تكون مثيرة للتوتر و القلق و المشاكل.

إن الكل بحاجة للكل .. هذه هي خلاصتي الآن .

رفيف المهنا

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *