الثلاثاء, مايو 21, 2019

Header ad
Header ad

عقلنا الباطن: من الآلهة اليونانية إلى الخلايا العصبية

عقلنا الباطن: من الآلهة اليونانية إلى الخلايا العصبية

مقدمة

العقل الباطن أو اللا شعور أو اللا وعي، أسماء مختلفة لذلك السر المخفيّ داخل حنايا أنفسنا، والذي لا نكاد نعرف عنه شيئًا، لكنه يتسلل أحيانًا بخفة ودهاء مرتديًا رداء الغموض والألغاز إلى سطح وعينا في الأحلام، وفي أعراض الأمراض النفسية التي تصيب البعض. يقول جوردان بيترسون أستاذ علم النفس بجامعة تورونتو الكندية إننا نقوم بأشياء لا نفهمها طوال الوقت، فنحن أكثر تعقيدًا مما نظن، ولسنا شفافين بالكامل بالنسبة لأنفسنا، ولهذا نحتاج إلى علوم النفس والاجتماع والأنثروبولوجي لفهم ذواتنا.

وسنحاول خلال هذا المقال مناقشة تطور نظرة العقل الإنساني وفهمه للظواهر العجيبة التي صرنا نراها الآن تجليًا لما يسمى بالعقل الباطن.

من مورفيوس إلى علم الأعصاب

عندما رأى أجدادنا في حضارات العالم القديم بعض الظواهر غير المفهومة التي تعتري الإنسان كالأحلام والإلهام والهلاوس والوساوس، لاحظوا أنها لم تحدث بإرادة أحدهم، ولا يملك المرء زمامها ولا يستطيع التحكم فيها، فظنوا أن كائنات أخرى غيبية تتلاعب به كما ظنوها تتلاعب وتحرك كل الظواهر الطبيعية التي تشكل اللوحة الكونية. فعند رؤية رجل أصابته تشنجات ظن أجدادنا البسطاء أن جنيًّا قد تلبّسه، وظن العرب أن شعراء الجاهلية لهم قرناء من الجن يلهمونهم أشعارهم الفذة. وفي اليونان، كتب الشاعر الإغريقي هوميروس الإلياذة والأوديسة، بإلهام من كاليوبي إلهة الشعر الملحمي، ومورفيوس إله الأحلام يتجلى عليه أثناء نومه. وفي الهند نجد عبقري الرياضيات سرينفاسا رامانوجان قد ألهمته إلهة ناماجيري الهندوسية بمعادلاته.

ومع مرور الأزمان وتقدم الإنسان معرفيًا اكتشف أن ما يؤثر فيه وفي عقله إنما ينبع من الداخل لا من الخارج، حتى وإن كان يحدث بغير وعي أو تحكم منه. وانتقلت تفسيرات هذه الظواهر العقلية من خارج الإنسان إلى داخله، وصرنا نقوم بدراسة الآليات العصبية للإبداع وللأحلام باعتبارها تجليات لعمليات عصبية بدلًا من اعتبارها رسائل من العالم الآخر، ونحاول فهم الأعطاب في الآليات الدماغية والنفسية المسببة للاضطرابات والتي تقف وراءها عناصر غير واعية بدلًا من محاولة صرف كائنات غيبية تلبست بأجسادنا. لكن بقيت بعض آثار التفكير القديم في مفردات اللغة، فكلمة عبقري: أصلها وادي عبقر، وهو موضع بالبادية كثير الجن نسب العرب إليه كل ما تعجبوا من حذقه أو جودة صنعه. وكلمة Enthusiasm الإنجليزية التي تعني الحماسة والإقبال أصلها الكلمة اليونانية Entheos التي تعني أن تكون مسكونًا بإله.

من الرياح إلى الروح

بل إن الألفاظ التي يستخدمها الإنسان لوصف الظواهر العقلية قد انتقلت هي أيضًا من العالم الخارجي إلى العالم الداخلي. لقد وضع بول ماكدونالد المحاضر في الفلسفة بجامعة مردوخ بأستراليا نموذجًا لتطور اللغة في وصف الظواهر العقلية، فلتسمية هذه الظواهر تم استخدام مصطلحات كانت في الأصل تستخدم لوصف أشياء ملموسة في الواقع الخارجي، ثم صارت تستخدم لتدل على شيء ملموس داخل الإنسان، ثم بمعنى شيءٍ مجرد كالروح والنفس، ثم بمعنى الذات. إذا طبقنا هذا النموذج على اللغة العربية وجدنا أن كلمة الروح مشتقة من الرياح، والنفْس مصدرها نَفَسَ، والذي جاء منه التنفس والنِفاس، وهو مرحلة تمر بها المرأة بعد الولادة.

فرويد يرث أفلاطون

بداية هذا الانتقال من الخارج إلى الداخل كانت في الحضارة اليونانية القديمة، ففي القرن السابع قبل الميلاد انتقل الصراع الخارجي بين الآلهة الإغريقية إلى صراع داخلي بين عناصر النفس البشرية، فوضع أفلاطون نظريته عن النفس التي شبّهها بعربة حربية يقودها سائق ويجرها حصانان. فالسائق هو النفس العاقلة المفكرة التي تميز بين الصواب والخطأ، والحصان الأسود هو النفس الشهوية التي تريد تحصيل الشهوات ومصادمة النفس العاقلة، والحصان الأبيض هو النفس الغضبية التي تغضب من الظلم وتحب النصر وتخطي الصعاب.

يوجد تشابه مذهل بين نموذج أفلاطون ونموذج سيجموند فرويد مؤسس التحليل النفسي لعناصر النفس، فـ«الهو» عند فرويد (Id) وهو الجزء البدائي الحيواني من النفس، يقابل حصان أفلاطون الأسود، و«الأنا» وهي العنصر المنظّم المسئول عن الوصول إلى ما يحقق أغراض النفس المطلوبة دون الاصطدام بالواقع الخارجي تقابل سائق العربة الحربية. و«الأنا الأعلى» هي قاضي النفس وفرعها الأخلاقي وتقابل الحصان الأبيض. الفرق بين هذين النموذجين هو أن المرء يعي عناصر النفس الثلاثة عند أفلاطون، أما عند فرويد فالهو يقبع في اللا وعي. لاحظ أخي القارئ أن الرجلين قاما بشخصنة عناصر النفس كأن بنا أشخاصًا داخليين يشكل الصراع بينهم شخصياتنا، وسنرى لاحقًا كيف تغيرت هذه النظرة لعناصر النفس.

اللا وعي قبل فرويد

إن المعنى البسيط والمتداول للا وعي الذي بلوره سيجموند فرويد والذي سنرى لاحقًا أنه قد تغير بعض الشيء في علم النفس العصبي المعاصر، هو أنه مستودعٌ للأفكار والدوافع والرغبات التي يتم كبتها خارج دائرة الوعي الإنساني لحماية الأنا من تأثيرها السلبي، وإن كانت تؤثر هذه الأفكار في سلوك الفرد بدون وعي منه. فعلى سبيل المثال من الممكن أن تكون قد تعرضتَ لتجارب قاسية خلال طفولتك، لكن عقلك الباطن يمنع وصول هذه الذكريات لوعيك ليحميك منها وإنْ كانت تؤثر فيك وتجعلك أكثر خوفًا من إقامة علاقات مع من حولك.

كتب الفيلسوف الألماني إدوارد فون هارتمان كتابًا بعنوان «فلسفة اللا وعي» عام 1869؛ أي عندما كان فرويد يبلغ من العمر ثلاثة عشر عامًا، مما يدل على أن فرويد لم يكتشف اللا وعي كما يُشاع، ففكرة أنه من الممكن أن يكون المرء غير واعٍ بعملياته الذهنية موجودة في الأدبيات الإنجليزية منذ منتصف القرن الثامن عشر. ولقد استمد فرويد فكرة اللا وعي من أدبيات الحركة الرومانسية، وهي حركة ثقافية فنية نشأت في أواخر القرن الثامن عشر، لكنه جعل من اللا وعي أساسًا يمكن من خلاله بناء نظرة مختلفة تمامًا عن النفس البشرية. ومما يدل على دوره في بلورة هذا المفهوم ووضعه ضمن مفاهيم علم النفس الأساسية، أنه عند البحث عن معنى الوعي في قاموس الفلسفة وعلم النفس الصادر عام 1901 نجده يعرّف الوعي بأنه «نقطة الفصل بين ما هو عقلي وما هو غير عقلي»، فقبل فرويد كان يساوي المعظم بين العقل والوعي ولم يتخيلوا أن العقل به جزء غير واعٍ.

طبيعة اللا وعي

أدهشت فرويد براعة ومرونة اللا وعي في إبقاء ما يزعج النفس خارج نطاق الوعي، واشتم في ذلك رائحة الغائية، كأن العقل الباطن له وعي خاص به، ولم يكن علم الأعصاب قادرًا آنذاك على التعبير عن هذا في إطار آليات وظيفية عصبية، فلم يكن علم النفس قد وصل في هذا الوقت إلى ما وصل إليه علم الأحياء على يد تشارلز داروين من تفسير للظواهر الحيوية، من خلال آلية الانتخاب الطبيعي، والتي استغنى بها عن التفسيرات الغائية التي يرفضها العلم الحديث لاعتمادها على عناصر غيبية غير مادية.

وظهرت تلك الغائية في شخصنة فرويد لعناصر النفس وفي قوة ذهنية أسماها بالرقابة Censorship، وهي تلك القوة الذهنية التي تستبعد ما يضر العقل الواعي وتكبته في العقل الباطن، حتى أنها تقوم بتغيير محتوى العقل الباطن عند ظهوره على سطح الوعي في أحلامنا أثناء النوم، ولهذا تبدو أحلامنا مبهمة وعجيبة. إن وصف فرويد لهذه القوة الذهنية يوحي بأنها قوة واعية تكمن داخل أذهاننا، لكن هذا مرفوضٌ بشدة في فلسفة العلم الحديث كما ذكرنا. ولكن فرويد لم يكن في مقدوره تفسير الظواهر النفسية تفسيرًا آليًا، وأنّى له ذلك وعلم الأعصاب آنذاك كان بدائيًا للغاية؟

لماذا العقل الباطن؟

ما الذي لاحظه فرويد حتى يقول بوجود اللا وعي؟ يجيبنا ديفيد ليفينجتون سميث، أستاذ الفلسفة بجامعة نيو إنجلند، عن هذا السؤال بما أسماه The continuity argument أو حجة الاستمرارية، التي تقول بأن الوعي الإنساني يحتوي على فجوات ولكن هناك استمرارية عبر هذه الفجوات. ما معنى هذا؟ تخيل أنك تقوم بتأليف رواية وفي آخر الليل خلدت إلى النوم، وعند استيقاظك وجدت أن لديك بعض الأفكار الجديدة حول حبكة الرواية؛ ألا يعني هذا أنك كنت تفكر بصورة غير واعية في تلك الرواية؟ هذا يوحي إذن بأن الفجوة التي طرأت على وعيك وهي النوم حدث بها نشاط عقلي ما وإن كنت غير واعٍ به، وهذا النشاط العقلي مستمر ومتصل بما قبله؛ أي بأفكارك حول الرواية قبل نومك. هذا يعني أنه لا تتم كل النشاطات العقلية داخل نطاق وعيك إنما يقع جزءٌ منها خارجه.

اللا وعي الجديد

لم يبقَ الحال على ما هو عليه، فبدلًا من الحديث عن اللا وعي بصفته قردًا مهووسًا بالجنس، صار علماء علم النفس العصبي يتحدثون عنه في إطار خوارزميات عصبية داخل الدماغ، وهذا يعكس تحول العلماء من شخصنة القوى النفسية كما فعل فرويد إلى تفسير الظواهر النفسية عبر آليات بيولوجية مختلفة.

يستخدم علماء علم النفس العصبي مصطلح اللا وعي الآن بالمعنى الذي صكه العالم الألماني هيرمان فون هيلمهولتز من قبل في القرن التاسع عشر؛ أي العمليات التي تحدث خارج وعينا ونستطيع الإدراك واتخاذ القرارات بواسطتها. فدماغنا يتعلم مما حوله منذ الطفولة مكونًا شبكات عصبية هي بمثابة أساس لكل سلوكياتنا وشخصياتنا ويتم تطويرها باستمرار، وهذا يحدث عبر العمليات غير الواعية. هذا يعني أن ما يتم المرور به من تجارب في الطفولة لا يتم دفنه في مقبرة العقل الباطن كما رأى فرويد، بل يشكل ما نحن عليه خلال حياتنا.

لم يعد ينظر علماء النفس إذن إلى العقل الباطن بصفته مستودعًا للرغبات والأفكار المزعجة غير المرغوب فيها، وكأن الأفكار الواعية هي الأساس والأفكار التي نريد التخلص منها، نكبتها ونلقيها في زاوية مقفرة من العقل تُدعى العقل الباطن، بل وجدوا أن الأصل في العمليات الذهنية أن تكون غير واعية، وهي تشكل النسبة الأكبر من تلك العمليات ووعينا بها أمر طارئ عليها، فالعقل الباطن لم يعد ذلك المشاكس الذي تريد الأنا السيطرة عليه والتحكم فيه، بل هو بمثابة مساعد لها وليس غرفة للنفايات الذهنية في سفينة الذات، هو بمثابة محركات تبحر بها في بحر الحياة.

خاتمة

يخبرنا فرويد في محاضرات له بعنوان «مقدمة عامة للتحليل النفسي» أن البحث في علم النفس وجّه صفعةً لنرجسية الإنسان وكبريائه؛ لأنه مع تأكيده لدور اللا وعي في حياة الإنسان أثبت للأنا أنها ليست حتى السيد في بيتها، فكثير مما يدور في بيت الأنا لا تعلم عنه شيئًا وليس في نطاق إدراكها الواعي. وعلى الرغم من تغير مفهومنا عن اللا وعي كما ذكرنا، فربما لا يزال هذا الادعاء صائبًا.

إضاءات

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *