الأحد, يوليو 21, 2019

Header ad
Header ad
آخر الأخبار

صفقة القرن” لـ “إسرائيل” وفلسطين المُرجّح أن تُسرّع المقترحات الأمريكية احتضار حلّ الدولتين

صفقة القرن” لـ “إسرائيل” وفلسطين المُرجّح أن تُسرّع المقترحات الأمريكية احتضار حلّ الدولتين
الكاتب: مورييل أسنج – لينا جبور

أعلن الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب عن “صفقة القرن” بصفتها حلّاً للنزاع الإسرائيليّ-الفلسطينيّ. وسيتم الكشف عن الخطة في موعد غير محدد، في وقتٍ ما، بعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية. وفي حين أنَّ التفاصيل لا تزال سريّة، فإنَّ سجل الإدارة الأمريكية حتى الآن يشير إلى أن المبادرة ستضع أولويات للمصالح الإسرائيلية على حساب الحقوق الفلسطينية، وتتجاهل المبادئ الأساسية للقانون الدوليّ، وتتجه بعيداً عن فكرة وجود دولتين تكون لكلٍّ واحدةٍ منهما سيادتها الخاصة.وعليه، من المتوقع رفض القيادة الفلسطينيّة لهذه المقترحات. كما يُرجّح أن تستغل الحكومة الإسرائيلية ذلك، وتأخذ الضوء الأخضر لتنفيذ بنود الخطة التي تسمح لها بالحفاظ على سيطرتها الدائمة على القدس الشرقية والمناطق الاستراتيجية في الضفة الغربية. وينطوي هذا النهج أيضاً على خطر انهيار التعاون الإسرائيلي-الفلسطيني غير المستقر فعلياً في إدارة الصراع. يتعيّن على الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء استغلال فرصة إعلان الخطة الأمريكية كفرصة لتوضيح مبادئ نوع حلّ النزاع الذي يمكن أن يدعموه، وتحديد عواقب السياسة الإسرائيلية المتمثلة في ضم “إسرائيل” لأجزاء من الضفة الغربية.

كان ترامب يعلن بالفعل عن “صفقة نهائية” لإنهاء النزاع الإسرائيليّ-الفلسطينيّ في حملته الرئاسية في عام 2016. ومنذ توليه منصبه، تولّت لُجنة ثُلاثيّة تتألّف من كلٍّ من صهره جاريد كوشنر، وجيسون جرينبلات، الذي يعمل منذ زمن طويل كمسؤول قانوني لإمبراطورية ترامب التجارية والمقرب منه، والسفير الأمريكي لدى “إسرائيل” ديفيد فريدمان، الإشراف على مثل هذه الخطة. في حين أن وزارة الخارجية الأمريكية لم تشارك في إعدادها.

هذا، وإلى جانب ما تسمّى بقضايا الوضع النهائيّ التي سيتم الاتفاق عليها بين طرفي النزاع (القدس، واللاجئون، والمستوطنات، ووضع وحدود “الكيان الفلسطينيّ”، والأمن) يبدو أن فريق ترامب يركز قبل كل شيء على التعاون الاقتصادي والتنمية في الأراضي الفلسطينية. هذا من شأنه أن يجعل الخطة الأمريكية إلى حدٍّ كبير استحضاراً لخيار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المفضل بـ “السلام الاقتصادي”. هذا يعني استثماراً هائلاً في الاقتصاد الفلسطينيّ كبديل لحقّ تقرير المصير في دولة ذات سيادة. وستلعبُ دولُ الخليج العربيّ ومصر والأردن المجاورتان دوراً خاصّاً في هذا المخطط، بحيث توفر هذه الدول مظلة سياسية لهذه الصفقة و/أو تزودها بالدعم المالي.

إن الهدف الأساس من ذلك هو تشكيل تحالف تتعاون فيه “إسرائيل” عن كثب مع القوى الإقليمية العربيّة والولايات المتحدة ضد إيران. وقد شهدت السنوات الأخيرة بالفعل تقارباً ملحوظاً بين “إسرائيل” ودول الخليج العربيّ. كما تريد “إسرائيل” والولايات المتحدة الآن إزالة العقبة الفلسطينية التي تقف حتى الآن في وجه تطبيع العلاقات بين هذه الدول بشكلٍ كامل.

عناصر الصفقة

لم تكشف واشنطن منهجية أو تفاصيل “صفقة القرن” التي من المفترض أن تكون بمثابة أساس للمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية. ومع ذلك، في ما يتعلق بالمضمون، يمكن استخلاص عدد من الاستنتاجات من تصرفات الإدارة وتصريحاتها. وأهم هذه الأسباب هو أن ترامب يرفض بدون أي شك دعم تسوية الدولتين، ويمتنع بوضوح عن إدانة سياسة الاستيطان الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. لا يُخفي السفير الأمريكي فريدمان قربه من قادةِ المستوطنين. كما توقفت واشنطن عن وصف الأراضي الفلسطينية (ومرتفعات الجولان) بأنها “محتلة”، وفقاً لما ورد مثلاً في تقرير حقوق الإنسان لعام 2018 الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية.

علاوة على ذلك، بدأ الرئيس ترامب بالتشكيك في الإجماع الدوليّ حول قضايا الوضع النهائيّ (ويتضح هذا الأمر، تمثيلاً لا حصراً، في قرار مجلس الأمن الدوليّ رقم 2334 الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2016). كما يتبيّن وفقاً لقول ترامب نفسه، أنّه «أبعَدَ القدس من الطاولة». وبينما أشار إلى أن الاعتراف بالقدس عاصمة لـ “إسرائيل” لا يخل باتفاق تفاوضي على الحدود بين “إسرائيل” والفلسطينيين، فإن جميع الخطوات العملية التي اتخذها الأمريكيون تشير إلى نتائج متوقعة تحرم الفلسطينيين من السيادة على الأحياء المركزية في القدس الشرقية: نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وإغلاق القنصلية العامة في القدس الشرقية (كانت أساساً وحدة الشؤون الفلسطينية)، وإنهاء الدعم المالي للمؤسسات الفلسطينية في المدينة.كما أقرَّ ترامب بسيادة “إسرائيل” على مرتفعات الجولان السوريّة المحتلة عام 1967. وبينما لا يتعلق الأمر مباشرة بالأراضي الفلسطينية، تشير هذه الخطوة إلى أنَّ إدارة ترامب لا تشعر بضرورة الالتزام بمبدأ القانون الدولي الذي يحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة. واليمين الإسرائيلي يفسر ذلك على أنه ضوء أخضر لضم أجزاء في الضفة الغربية.

في عام 2018، توقفت واشنطن أيضاً عن تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا). كانت الولايات المتحدة إلى حدٍّ بعيدٍ أكبر مسهم، إذ غطت نحو ثلث إجمالي ميزانية الأونروا في السنوات الأخيرة. ويعود قرار واشنطن هذا إلى أن إدارة ترامب تشارك حكومة “إسرائيل” وجهة نظرها بأن الأونروا تُديم مشكلة اللاجئين بتشجيعهم على الإصرار على موقفهم وحقهم في العودة، بدلاً من الاندماج في دولهم المضيفة الحالية. وفقاً للتقارير الصحافية، طالبت واشنطن الأردن أيضاً بتجريد الفلسطينيين الذين يعيشون هناك من صفة لاجئ وإعطائهم الجنسية بدلاً من ذلك.

تسريع تراجع التعاون

منذ تولّي ترامب مهام منصبه، نأى الإسرائيليون والفلسطينيون بأنفسهم بعيداً عن تسوية حلِّ الدولتين. وبدلاً من ذلك، أصبح واقع الدولة الواحدة متعمّقاً أكثر فأكثر: تتمتع “إسرائيل” بالسيطرة الغالبة على المنطقة بأكملها بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، في حين تلعب السلطة الفلسطينية دور نائب الشريف (أي سلطتها اسمية وليست فعلية). لم تنعقد هناك أي محادثات سلام منذ نيسان/أبريل 2014.شجع دعم إدارة ترامب ودفء العلاقات مع دول الخليج العربي ائتلاف نتنياهو اليميني/الديني القومي على توسيع النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس، لفتح الطريق أمام ضم المستوطنات، وتوسيع حصة السكان اليهود في القدس وتعزيز الهوية اليهودية لـ “دولة إسرائيل”.

ثم أُتبعت هذه الأهداف بسلسلة من مشاريع القوانين التي تم تقديمها إلى الكنيست منذ عام 2017 (تم تعليق بعضها أو ألغته المحكمة العليا). في آذار/مارس 2017، أذن مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي –للمرة الأولى منذ 25 عاماً– ببناء أول مستوطنة جديدة تماماً في وسط الضفة الغربية.

يرفض ممثلو الأحزاب الحاكمة بشكل متزايد قيام دولة فلسطينية ذات سيادة، ويطالبون بشدة بضم المنطقة “سي C” من الضفة الغربية (نحو 60% من المنطقة) أو حتى الضفة الغربية بأكملها. أعلن نتنياهو في الحملة الانتخابية لعام 2019، عن نيته أيضاً توسيع السيادة الإسرائيلية لتشمل أجزاء من الضفة الغربية.

في ظلِّ عدم وجود رؤية لحلّ النزاع، ازداد تراجع التعاون الإسرائيليّ-الفلسطينيّ في مجال معالجة الصراع في السنوات القليلة الماضية. وتصاعدت المصادمات على جبل الهيكل/الحرم الشريف، ما تطلّب وساطة أردنية لاستعادة الهدوء. قُتل أكثر من 180 فلسطينياً برصاص الجنود الإسرائيليين منذ أواخر آذار/مارس 2018، أثناء مظاهرات “مسيرة العودة الكبرى” عند السياج الحدودي لغزة؛ أُصيب آلافٌ آخرون، وكانت جروح العديد من المُصابين خطيرة. على الجانب الإسرائيلي، تسببت الطائرات الورقية والقنابل الحارقة التي أُلقيت على السياج الحدودي في أضرار مادية بما في ذلك تدمير المحاصيل الزراعية. أدت عمليات تبادل الصواريخ والمدفعية المتكررة بين “إسرائيل” والجماعات “المتطرفة” في غزة إلى جعل القطاع الساحلي على شفير الحرب. في حين تمكنت مصر والأمم المتحدة من التوسط لوقف إطلاق النار على المدى القصير ولتهدئة الوضع وتخفيف حصار غزة إلى حدٍّ ما، فقد ثبت أنَّ وقفَ إطلاق النار على المدى الطويل والضمانات الأمنية ورفعَ الحصار أمران غير قابلين للتحقيق. وبالتالي فإن الأزمة الإنسانية في غزة مستمرة.

سوف تتسارع عملية التراجع أكثر إذا قررت القيادة الفلسطينية تنفيذ قرارات المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي صوّت في السنوات الأخيرة مراراً وتكراراً بتعليق التعاون الأمني مع “إسرائيل”. لقد أدى الضغط الأمريكي والإسرائيلي المشترك اليوم إلى خلق وضع يكون فيه وجود السلطة الفلسطينية على المحك. في عام 2018، أوقفت الولايات المتحدة دعمها المالي للسلطة الفلسطينية والمجتمع المدني الفلسطيني، وفي أوائل الخريف أغلقت مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن العاصمة، بينما كان من المفترض أن يستمر دعم الولايات المتحدة لقوات الأمن الفلسطينية، شعرت السلطة الفلسطينية بأنها مضطرة إلى رفض هذا الدعم، ابتداءً من كانون الثاني/يناير 2019 لتجنب المخاطرة بالملاحقة القضائية بموجب قانون مكافحة الإرهاب الأمريكي (ATCA).

في شباط/فبراير، فقدت السلطة الفلسطينية مصدراً مهماً آخر للدخل. قرر مجلس الوزراء الإسرائيلي في معرض الحملة الانتخابية، تطبيق ما يسمى بقانون ستيرن. تحت شعار “لا للدفع مقابل القتل”، أدى هذا إلى خفض المبالغ التي تقوم “إسرائيل” بتحويلها إلى السلطة الفلسطينية (أحد بنود البروتوكول الإسرائيلي-الفلسطيني لعام 1994 المتعلق بالعلاقات الاقتصادية) واقتطاع المبلغ الذي دفعته السلطة الفلسطينية في العام السابق للفلسطينيين المسجونين في سجون “إسرائيل” (الذين تطلق عليهم “إسرائيل” جميعاً اسم “الإرهابيين” بشكل عشوائي) ولعائلات “الشهداء”. رداً على ذلك، رفضت السلطة الفلسطينية قبول عمليات التحويل المخفضة. نتيجة لذلك، وفقاً لأرقام الأمم المتحدة، اقتُطع نحو ثلثي هذه الدفعات. في غياب حل سياسي سريع لهذه المشكلة، من المحتمل أن يؤدي ذلك إلى انهيار مالي سريع للسلطة الفلسطينية.وقد تمَّ تفكيك المؤسسات المعتدلة الأخرى أيضاً. في كانون الثاني/يناير 2019، قرر نتنياهو إنهاء الوجود الدوليّ المؤقت في الخليل، وهي مهمة مراقبة عملت منذ عام 1994 –متقطعة قليلاً– لتخفيض التصعيد بين الفلسطينيين والمستوطنين المتطرفين في المدينة القديمة. ومن المحتمل أن يؤدي ذلك إلى تسريع تحول الحي بواسطة النشاط الاستيطاني، وتشريد السكان الفلسطينيين، وسطوة التهويد على التراث الثقافيّ الإسلاميّ. لقد ارتفع مستوى العنف بالفعل بشكل ملحوظ منذ انسحاب القوات الدولية للمراقبة.

التقييم والتوصيات

لا يُرَجّح أن تسهم “صفقة القرن” الأمريكية بشكل مفيد في حلِّ النزاع الإسرائيلي الفلسطينيّ. وبدلاً من ذلك، فإنها تخاطر بالمزيد من تصعيد الموقف المتوتر بالفعل والإسراع في تراجع الإدارة المشتركة للصراعات. حتى في ظل ضغوط قوية، لا يمكن أن نتوقع من القيادة الفلسطينية الموافقة على الخطة الأمريكيّة. رداً على اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لـ “إسرائيل”، رفض الفلسطينيون أي وساطة أخرى من جانب واشنطن، ورفضوا منذ ذلك الحين إجراء اتصالات رفيعة المستوى مع الفريق الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط. على أي حال، فإن القيادة الفلسطينية منقسمة، والرئيس محمود عباس لا يمتلك شرعية التفاوض على حلول وسط مجدية ولا سلطة تنفيذ أي اتفاق. يمكن التوقع أن تتعامل الحكومة الإسرائيلية القادمة على أساس لا تفاوض مع الفلسطينيين استناداً إلى الخطة الأمريكية بحسبانها أعطت “إسرائيل” الضوء الأخضر لتنفيذ عناصر المبادرة التي تسمح لها بالحفاظ على سيطرة دائمة على القدس الشرقية وأجزاء استراتيجية من الضفة الغربية.بما أنه من المرجح أن تسفر انتخابات الكنيست عن تحالف يميني/وطني – ديني آخر، هناك خطر كبير أن يتجرّأ هذا التحالف الأخير لبدء الضم غير القانوني للمنطقة C في الضفة الغربية. هذا من شأنه أن يقلص بشكلٍ دائمٍ مساحة الأراضي الفلسطينية إلى جيوب معزولة قليلة. عندئذ لن يكون من الممكن تصور تسوية على أساس حل الدولتين.

ينبغي على الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه تحديد المبادئ التي يجب بموجبها تحديد أي مخطط إذا كان يجب أن يسهم في حل دائم للنزاع: تأكيد حق تقرير المصير الوطني للشعبين، وضمان حقوق الإنسان الفردية لجميع السكان بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، وتطبيق حق العودة في شكل يحترم كلاً من الاختيار الفردي للاجئين الفلسطينيين ومصالح الدول التي سيتم إعادة توطينهم فيها بشكل دائم.يجب ألا تدعم أوروبا أي جانب من جوانب خطة الولايات المتحدة، إلا إذا كانت تفي بهذه المعايير. على وجه الخصوص –كما تؤكد تجربة السنوات الخمس والعشرين الماضية– حتى الاستثمار الضخم لا يمكن أن يحقق التنمية الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية طالما بقيت العقبات المرتبطة بالاحتلال قائمة (وعلى رأسها قيود التنقل وإجراءات التصاريح وسرقة الموارد الطبيعية). والأكثر من ذلك، يجب تحديد الالتزامات الواجب على “إسرائيل” القيام بها بشكل واضح في حال ضمّت أجزاء (أو كل) الضفة الغربية، وكذلك الأمر بالنسبة لردود الفعل المتوقعة من الجانب الأوروبي. في هذا السياق، ينبغي ألا تكون أوروبا جاهزة لتمويل أعمال الاحتلال أو الضم لمدّة طويلة.

المصدر:  المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية

مركز دمشق للدراسات

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *