الجمعة, أغسطس 6, 2021

Header ad
Header ad
آخر الأخبار

سوريا.. خيار الانتصار

سوريا.. خيار الانتصار

قبيل الاجتياح الأميركيّ للعراق في العام 2003، زار وزير الخارجية الأميركي حينها كولن باول دمشق. وهناك، التقى الرئيس

السوري بشار الأسد. يومها، كان الأميركيون بقيادة جورج بوش الابن يتوثّبون للانقضاض على خصومهم بصورةٍ متوحشة. اجتاحوا

أفغانستان قبلها بسنتين في العام 2001، ورسموا الطريق إلى بغداد. كانوا مستعدّين لالتهام من تبقى من خصوم.

في بلاد الشام، كان لبنان قد خرج لتوه منتصراً بتحرير جنوبه بعد 22 عاماً من الاحتلال الإسرائيلي. محطةٌ مدوية في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي، كان فيها لسوريا بصمةٌ دامغة. وكان الأسد الابن في مطلع سنوات رئاسته الأولى التي تولاها بعد وفاة
والده الرئيس الراحل حافظ الأسد في حزيران/يونيو 2000.

يومها، جاءت زيارة باول لتلي هبوب رياحٍ أميركية ساخنة على سوريا، ترجمت بالتهديدات التي كانت تطلق من الغرب لتحيل الخصوم إلى المشهد الأفغاني: انظروا ماذا سنفعل إن لم تذعنوا! حمل باول عرضاً للأسد بأن يفكّ ارتباطه بمحور المقاومة، في مقابل تجنيبه امتداد حريق العراق إلى بلاده. بعد تلك الزيارة، كان الردّ السوري واضحاً، والبقية كتبها التاريخ أحداثاً ومواقف ونتائج تدرَّجت من محطة إلى محطة، لتثبت إرادةً سياسية فريدة في صلابتها، رسمت لنفسها خيار الشراكة الدائمة في انتصارات شعوب المنطقة ومقاوماتها.

واليوم، تتألَّق الصّدفة في أيار/مايو 2021، لتجمع ذكرى تحرير جنوب لبنان، وانتصار فلسطين الطازج، والانتخابات الرئاسية السورية التي تعيد تأكيد خيارات دمشق الاستراتيجية. إنها مناسبات متصلةٌ في سياق علاقات سببية لا لبس بترابطها المنطقي.

محاصرة سوريا بالنار

أشعل اجتياح العراق المنطقة بالأحداث المتتالية بصورةٍ دراماتيكية. اتخذ قرار معاقبة سوريا لرفضها الإملاءات الأميركية ومندرجات التهديد والإغراء التي حملها باول إلى الأسد. وقفت سوريا ضد اجتياح العراق. وعلى الرغم من توتر علاقات “البعثين” السوري والعراقي لسنواتٍ طويلة، واجهت دمشق الاحتلال الأميركي لذلك البلد بكل الوسائل الممكنة التي كشفت عنها السّنوات التالية بأحداثها وأشخاصها ومقاومتها، ونتائجها أيضاً.

قاومت سوريا الاحتلال الجديد في المنطقة، واستمرّت بمقاومة الاحتلالات الإسرائيلية للأراضي العربية في فلسطين ولبنان،إضافة إلى الأراضي المحتلة في الجولان. وفي حين كان الجيش السوري لا يزال منتشراً في لبنان، أُشعل البلد في شباط/فبراير 2005باغتيال رئيس حكومته الأسبق رفيق الحريري، وسيقت الاتهامات إلى سوريا، لدفعها إلى الخروج من لبنان ومحاصرتها بالنيران من الغرب اللبناني والشرق العراقي.

لم تتراجع القيادة السورية عن مواقفها. ثبتت على خياراتها الاستراتيجية. خرجت من لبنان، وأعادت ذلك إلى الاتفاقيّات المشتركة الموقعة سابقاً، وواصلت في الوقت نفسه دعم المقاومة اللبنانية التي حفظت لدمشق دورها التاريخي في حماية لبنان من التفكك، ومساعدته على التحرر من الاحتلال الإسرائيلي، لكن دوي انتصار العام 2000 في هذا البلد وصدى الرفض السوري لعرض باول، كانا فوق قدرة الأميركيين وحليفتهم “إسرائيل” على الاحتمال، فجاؤوا بكامل غضبهم في تموز/يوليو 2006، ليكسروا رأس حربة المشروع الاستراتيجي للمحور الذي تشكّل سوريا قبضة حربته.

عدوان 2006 على لبنان

خرج الجيش السوري في ربيع العام 2005 من الأراضي اللبنانية، بعد ما يقارب 3 عقود من الوجود العسكري فيها. وكان لدمشق خلال هذه السنوات نفوذ كبير في لبنان، وخصوصاً بعد نهاية الحرب الأهلية ومشاركتها في رعاية الحل السياسي الذي أسس لدولة “الطائف”.

بعد خروج سوريا من لبنان، يحسب لدمشق أنها لم تتدخَّل في السياسة الداخلية اللبنانية، لكنها في الوقت نفسه لم تتوقّف عن أداء دورها كداعمٍ مباشر للمقاومة اللبنانية في مواجهة الكيان الإسرائيليّ.

ثبّتت سوريا خيارها الدقيق والصّعب في الوقت نفسه، بعدم التدخل في سياسة دولةٍ ساهمت في صنع سياستها لسنوات طويلة، وقدّمت في سبيل وحدتها آلاف الشهداء، وهي دولةٌ تمثل في الجغرافيا السياسية السورية خاصرة العاصمة دمشق والمدخل الغربي المتاخم لها، مع كل ما يحمله ذلك من مخاطر.

على الرغم من ذلك، شاركت سوريا في الدفاع عن لبنان من خلال مواصلتها دعم المقاومة بأشكال مختلفة، ولا سيما دورها المهم خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز/يوليو 2006. في تلك المحطة المفصلية في مسار الصراع مع الكيان،استقبلت سوريا عشرات الآلاف من النازحين اللبنانيين الذين كانت مساكنهم تتعرض لتدمير واسع النطاق، ووضعت قدراتها الاقتصادية والدبلوماسية واللوجستية في خدمة المعركة ضد العدو الإسرائيلي، وكانت جزءاً حقيقياً أصيلاً من الانتصار الذي غيّر معادلة الردع في وجه الكيان الإسرائيلي ومنعه من شنّ حربٍ واسعة على لبنان منذ 15 عاماً حتى اليوم.

انتخابات 2014 الرئاسية

عوقبت سوريا على خياراتها هذه. تمت ملاحقتها بالاتهامات باغتيال الحريري، لكن ذلك لم يفلح، فانفجرت الأحداث السورية في

ربيع العام 2011 لتدخل البلاد في نفقٍ شديد الظلمة لم تعرفه من قبل. انقلب بعض العرب على دمشق، ودفعوا بكل قدراتهم لدعم المسلحين والمعارضين وحركات التطرف الإرهابي ومشروعات السياسات الغربية ضد دمشق وخياراتها.

دفعت دمشق إلى خارج المنظومة العربية، واستبعدت من جامعة الدول العربية خلافاً لنظام تأسيسها، ولم يبقَ خارج فريق الهجوم على سوريا يومها سوى دول قليلة، أبرزها لبنان والعراق والجزائر، لكنها في المقابل .صمدت ووقفت وحدها في المواجهة مدافعةً عن خياراتها الكبرى، ولم يبقَ في تلك المرحلة معها سوى إيران وحركات المقاومة وروسيا، فيما أدت الصين دوراً دبلوماسياً مفيداً في مجلس الأمن.

تفتّت الميدان، وفقدت دمشق السيطرة على أجزاء كبيرة من البلاد، لكنّها تمسّكت بسيادتها، ولم تتراجع عن مواقفها قيد أنملة حتى استعادة معظم ترابها. كثيرة هي المؤامرات التي حيكت خلال السنوات الأولى من الأزمة السورية. كمٌّ لا يمكن وصفه من
الأحداث والمكائد والجرائم. تمت تجربة كل شيء تقريباً لإسقاط دمشق. قُصفت سوريا سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وإعلامياً،لكنّها لم تتراجع. واصلت الدولة نشاطها في كل تفصيلٍ تمكّنت من خلاله من التعبير عن حضور شخصيتها كدولة فريدة.

استمرّ دوري كرة القدم السوري خلال أقسى سنوات الحرب. وقد حدث أن تساقطت القذائف في الملعب.

أجرت سوريا الانتخابات الرئاسية في العام 2014، والتي عاد الرئيس بشار الأسد للفوز بها بنسبة فاقت 88% من أصوات المقترعين.

جرت تلك الانتخابات في بيئة بالغة القسوة ميدانياً وسياسياً. ومن ناحية المواقف الخارجية، كانت دول الخليج العربية ترمي أموالها

في أتون الحرب ضد سوريا لتسعيرها وإسقاط الأسد، وكان معها الغرب كله تقريباً. حرب عالمية خيضت لإسقاط الأسد يومها، لكنَّه انتصر، فاتحاً نافذة جديدةً على مستقبل سوريا لسبع سنوات ستتوالى لتغير المشهد كلياً.

المسار المعاكس

بعد فوزه بالانتخابات، وبعد تطوّر الأحداث الميدانيّة لتتزخم حركة محور المقاومة الداعمة ميدانياً، ودخول الروس على خط الدعم العسكري المباشر منذ أيلول/سبتمبر 2015، بدأ المشهد ينقلب لمصلحة دمشق.

كانت المدن الكبرى تعود الواحدة تلو الأخرى، فأضيف انتصار حلب إلى انتصار حمص السابق لتلك المرحلة، ثم خيضت معارك

الغوطتين والقلمون والرقّة وغيرها من المناطق العائدة إلى مكانها الطبيعي تحت سلطة الدولة السورية. انطلق المسار المعاكس باتجاه انتصار مدوٍ حقّقته القيادة السورية، ومعها شعبها الّذي تحمّل ويلات لم يعرفها العالم منذ الحربين العالميتين، بحسب مراقبين ومؤرخين كثر.

ومع انقلاب الصّورة لمصلحة دمشق، بدأ العالم يتأقلم مع فكرة انتصار الأسد كاحتمال واقعي، بعد أن كان في السنوات الأولى استحالةً مطلقة في أذهان قادة دول الحرب على سوريا، وخصوصاً العرب منهم. بالتوازي مع ذلك، كانت دمشق ترفض مغريات كثيرة لتغيير وجهة تموضعها الاستراتيجي في محور المقاومة. إغراءات كثيرة قدّمت وأعلن عنها المسؤولون السوريون، لكن أبناء الشام صمدوا، وكان لهم ما أرادوا.

تراكمت إلى جانب ذلك قوة محور المقاومة. حركاته كانت تنقل على جبهات القتال من أقصى العراق إلى كل زاوية في سوريا، محقّقة الانتصارات المتتالية، ومكتسبة خبرات ومعارف قتالية وتكتيكية واستراتيجية بالغة الأهمية.

لقد صنع الميدان – وخصوصاً الميدان السوري – من محور المقاومة كتلةً صمود وقتال خارقة، أدت إلى تبلور لازمةٍ كلامية ثابتة في أدبيات مراكز الدراسات الغربية التي عكفت على القول إنَّ “حزب الله”، على سبيل المثال، هو اليوم أقوى منظمة عسكرية من غير الجيوش.

الطّريق إلى انتخابات 2021

بعد اتخاذ سوريا مسار الانتصارات المتراكمة في فترة الرئاسة الثالثة للرئيس الحالي بشار الأسد، كان عليها مواجهة سياسة الحصار الاقتصادي والسياسي المتصاعدة مع وصول دونالد ترامب في العام 2016. منذ ذلك الحين، حملت دمشق وزرها الخاص
من استراتيجية الضغوط القصوى التي أطلقها الرئيس الأميركي السابق ضد محور المقاومة، بهدف خنقه اقتصادياً ومالياً بعد فشل قتله عسكرياً.

واجه الأسد الحصار، على الرغم من قسوة انعكاساته على مجمل حياة شعوب المنطقة. لقد مسَّ ترامب بمعيشة الناس في دول المنطقة المقاومة بصورة مباشرة، لكن الهدف الأبرز لتلك الاستراتيجية كان تغيير الخيارات الاستراتيجية لعناصر المحور. هذا
الهدف تحديداً تعرَّض لفشلٍ صارخ. تمسَّك هؤلاء بخياراتهم، وخسر ترامب رهانه قبل أن يرحل مع الراحلين.

الراحلون هنا كثر. عشرات رؤساء الدول الذين قالوا مع بداية الحرب إن “الأسد راحل” رحلوا، وبقي الرئيس السوري منتصراً بإرادة شعبه، وبخياراته الرابحة التي لم تخب يوماً.

واليوم، تتزامن 3 محطات متناسقة في الوقع والأسباب والنتائج. ذكرى انتصار لبنان على العدو الإسرائيلي، وتحرير جنوبه في العام 2000، وانتصار غزة المدوي في أصقاع العالم قبل أيام قليلة فقط، والانتخابات الرئاسية السورية ، ومواقف الدول،انقلبت إلى عكس ما كانت عليه في انتخابات في العام 2014.

في الأولى، دورٌ لسوريا واعتراف بالفضل، شكرتها عليه المقاومة اللبنانية بكل أطيافها. وفي الثانية، دورٌ أكيد لسوريا بان منذ أن أعلنت فصائل المقاومة اللبنانية والفلسطينية أن جزءاً أساسياً من القدرات الصاروخية للمقاومة كان لسوريا دور حيوي في إيصاله وتطويره والتدريب عليه.

وفي الثالثة، تجري الانتخابات على وقع عودة العرب إلى سوريا، وعودة التمثيل الدبلوماسي مع الإمارات، والجهود المتصاعدة لاستعادة العلاقات مع المملكة العربية السعودية، والتي أعلنتها مستشارة الأسد بثينة شعبان، وظهرت إشاراتها منذ مدة بين
دمشق والعاصمة السعودية. ومع الرياض وأبو ظبي، سيعود بقية العرب إلى مساحة اللقاء التي صنعتها انتصارات سوريا طوال السنوات العشر الماضية. إنه انتصار جديد، أن تعيد تطويع الظروف واللاعبين، مع احتفاظك باستقلاليّة قرارك وخياراتك السيادية الكاملة المواصفات والنكهات.

إنّها انتصارات لم تكن نتيجة للنّهج الَّذي اعتمدته سوريا كجزء من محور المقاومة فحسب. لقد كان الانتصار خيار سوريا الاستراتيجي.

نورالدين اسكندر- الميادين

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *