الأربعاء, أغسطس 4, 2021

Header ad
Header ad
آخر الأخبار

سامي الدروبي.. عملاق من بلدي

سامي الدروبي.. عملاق من بلدي

د.عماد فوزي الشعيبي:

أمرّ يومياً بجانب مدرسة سامي الدروبي في غربي المالكي. عندما كنت طالباً كانت إحدى أهم ثانويات دمشق مع ثان ويتي الثقفي وابن خلدون … لكن قلة يعرفون هذا الشخص الذي كان من عمالقة سورية ، وقد كرّم فور وفاته بإطلاق اسمه على هذه الثانوية التي كانت محدثة النشأة ونموذجية.

اليوم قرأت مقالين عن الرجل كتب الاول خليل صويلح وعلق عليه الموسوعي د. كمال خلف الطويل

أختار منهما على التوالي بعضاً مما كتبوا عن هذا العملاق الذي يليق ببلدي سورية وتليق به:

خليل صويلح

في ليلة 12 شباط (فبراير) قبل 40 عاماً، نهض سامي الدروبي (1921- 1976) من سريره متجاهلاً حدّة مرضه وخطورته. أزاح أنبوبة الأوكسجين جانباً. سمعت ابنته ليلى حركة في المنزل، فهرعت إلى غرفة والدها، ووجدته يحمل معجماً. وحين احتجت على ما كان يفعله بنفسه، أجابها بهدوء: «إنّ كلمة تقلقني، وأظن إنني ترجمتها خطأ، سأراجعها وأعود إلى النوم، اذهبي واستريحي». حالما غادرت الغرفة، عاد إلى مكتبه وجلس يقلّب المعجم، ثم أحنى رأسه وهوى في الليلة ذاتها. كان على وشك الانتهاء من ترجمة «الحرب والسلام» لتولستوي.

لكن القدر لم يمهله، فأكملت ابنته الصفحات الأربعين المتبقية من الكتاب الضخم. لكن المأثرة الكبرى لهذا المترجم السوري الفذّ، سنجدها في تعريبه الأعمال الكاملة لدوستويفسكي في 18 مجلداً (نحو11 ألف صفحة) غير عابئ بقلبه الناحل الذي باغته بثلاثة إنذارات قبل أن يصرعه تماماً. هكذا أهدى لغة الضاد تحفة أدبية نفيسة، رغم أنه ترجمها عن الفرنسية لا عن اللغة الأم. إثر صدور الأعمال الكاملة، سوف يسأل طه حسين المستشرق الروسي فلاديمير كراستوفسكي رأيه في ترجمة الدروبي، وسيجيبه «إن سامي الدروبي لا يقرأ ويترجم فحسب، بل يعايش المؤلف فعلاً، لو أنّ دوستويفسكي كتب بالعربية، لما كتب أجمل من ذلك». زائرو متحف دوستويفسكي في موسكو سيجدون نسخة نادرة من هذه الترجمة، وهي النسخة العربية الوحيدة في المتحف.

عبارة «الفرنسية منفاي» التي قالها محمد ديب ذات مرّة، أصابت مترجمنا بمقتل. قرّر أن ينقل ثلاثية الروائي الجزائري «الدار الكبيرة»، «النول»، «الحريق» إلى مياهها الأصلية، كنوع من ردّ الدين للغة الضاد. نحن إذاً، إزاء شخصية متفرّدة، ومغامرة، ذلك أن الترجمة في معجم سامي الدروبي ليست مهنة أو مجرد نقل عن لغة أخرى، بل كتابة جديدة لها، وفرصة لإثراء المكتبة العربية بالتراث الإنساني. وعلى هذا الأساس، بدأ هذا المفكر الذي درس الفلسفة في القاهرة وباريس، مشروعه الضخم في ترجمة الأعمال العالمية التي تعد حجر الزاوية في عمارة الفكر العالمي، فالتفت أولاً إلى علم النفس والفلسفة ليترجم «علم النفس التجريبي» لروبرت ودوث، و«معذبو الأرض» لفرانز فانون، و«الأعمال الكاملة» لهنري برغسون، و«مدخل إلى علم السياسة» لموريس دوفرجيه، و»مسائل في فلسفة الفن المعاصر» لجان غوايو.

سامي الدروبي

ولأن الترجمة ذائقة جمالية في المقام الأول، التفت لاحقاً إلى أعمال الكتاب الروس، فترجم «ابنة الضابط» لبوشكين، و«بطل من زماننا» لليرمانتوف، و«مياه الربيع» لتورغنيف، ثم رواية «جسر على نهر درينا» لليوغوسلافي إيفو اندريتش. لكن الانعطافة الحقيقية في مشروع هذا المثقف الموسوعي، كانت في تفرّغه لترجمة الأعمال الكاملة لدوستويفسكي، فهو أفنى عشرين عاماً من عمره في بحر دوستويفسكي المتلاطم والمعقّد والصعب، وظهرت هذه التحفة أولاً، في القاهرة عام 1966، قبل أن تعيد طباعتها «دار ابن رشد» في بيروت في طبعةٍ أنيقة. وكما هو متوقّع فقد أحدثت هذه الترجمة البديعة، هزّة في الوسط الثقافي العربي، إلى درجة أن علق طه حسين بقوله: «هذا جهد مؤسسة متكاملة». ويشير سامي الدروبي في أحد حواراته إلى أن علاقته بإبداع دوستويفسكي بدأت عندما كان في الثامنة عشرة: «شعرت أن بيني وبينه أنساباً روحية، ووجدت نفسي فيه، وصرت أتحرك في عالمه كتحركي في بيتي، وأعرف شخوصه معرفة أصدقاء طالت صحبتي معهم، حتى لأكاد أحاورهم همساً في بعض الأحيان». ويستشهد بقول لنيتشه «دوستويفسكي هو الوحيد الذي علّمني شيئاً عن النفس الإنسانية».

وتروي رفيقة دربه إحسان بيات الدروبي، أنها كانت في رفقة زوجها في زيارة إلى موسكو. وخلال جولة في شوارع المدينة، أشار سامي إلى جسر مرّا بقربه، وقال: «هذا الجسر ذكره دوستويفسكي في قصة «الليالي البيضاء»». وفي شارع آخر، وقف يتأمل بيتاً ثم علّق: «أظن أن رواية «الجريمة والعقاب» حدثت في هذا المنزل، وفي هذا الركن اجتمعت هيلين إلى الأمير».

وحين كان ينوي ترجمة رواية تولستوي «لحن كرويتزر»، قرر زيارة قرية تولستوي بغية التعرف عن كثب إلى البيئة التي كان يحياها صاحب «الحرب والسلام». وعلى رغم مرضه الطويل، وعمله الدبلوماسي، إذ كان سفيراً لسوريا في القاهرة، والرباط، ومدريد، إلا أنه لم يتوقف عن الترجمة حتى آخر شهيق من حياته.

فور انتهائه من ترجمة أعمال دوستويفسكي، قرر أن يترجم الأعمال الكاملة لتولستوي، غير آبه بالمرض. وتقول زوجته إنه نهض من السرير واتجه إلى غرفة مكتبه، ثم تناول الجزء الأول من أعمال تولستوي «الطفولة والمراهقة والشباب» وجلس إلى المكتب ليباشر الترجمة. وحين اعترضت خوفاً على تدهور وضعه الصحي، أجابها بهدوء: «لا تتعبي نفسك، سأظل أعمل وأعمل، لأنني مؤمن بأن الحياة من دون عطاء لا قيمة لها والموت أشرف منها، وسأعمل حتى النسمة الأخيرة من حياتي».

وهذا بعض من تعليق د. كمال الطويل عليه :

رجل من جيل رواد البعث الذين حملوا على أكتافهم أطروحة وشمها المدنية : هو ومنيف الرزاز وعبدالكريم زهور وبديع الكسم وعبدالله عبدالدائم وشاكر مصطفى وشاكر الفحام وصلاح الوزان وكمال حصني وحسان مريود وهشام العاص وأسعد درقاوي وجمال الأتاسي وحافظ الجمالي ومحمود سعدة وعدنان شومان وأمجد الطرابلسي وصلاح عمر باشا وحكمت محسن ومدحت البيطار وبشير القطب وأديب اللجمي ،،،، وآخرين

هو رجل أخذ قضية الوحدة العربية جد ، بالمعنى الحرفي للكلمة ..

نأى بعدها بنفسه عن حقل السياسة المباشر مشتغلاً سفيرًا لدى تيتو أولاً ثم الحسن ، ومنصرفاً الى الترجمة الأدبية ،،، والتي أنجبت روائع ديستوفسكي بالعربية

لكن هم الوحدة عاد يناديه الى لجته … وقبل أن يكون سفير سورية الى عبدالناصر

وبعد انقطاع علاقات دام زهاء نصف دزينة من السنين افتتح الدروبي السفارة السورية في القاهرة في نيسان ٦٧ ، ووقف امام عبدالناصر ليقدم أوراق اعتماده وإذ به يعزف ترنيمة مشهودة , غير مسبوقة ولا ملحوقة , لعن فيه الساعة التي جعلته سفيراً عند … رئيسه ،،، انتحب باكياً فأبكى عبدالناصر ، على بأسه في الثبات
والتماسك … وأضحت تلك قطعة من التاريخ

(يقصد د. كمال ماقاله

عُيِّنَ مندوباً دائماً للجمهورية العربية السورية في الجامعة العربية في 1/9/1966. وهناك ألقى كلمته الشهيرة أمام الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، بعد تقديم أوراق اعتماده، وقد بكى أثناءها، مما قال فيها: «إذا كان يسعدني ويشرفني أن أقف أمامكم، مستشرفاً معاني الرجولة والبطولة، فإنه ليحز في نفسي أن تكون وقفتي هذه كوقفة أجنبي، كأنني ما كنت في يوم مجيد من أيام الشيوخ مواطناً في جمهورية أنت رئيسها، إلى أن استطاع الاستعمار متحالفاً مع الرجعية أن يفصم عرى الوحدة الرائدة في صباح كالح من أصباح خريف حزين يقال له 28 أيلول، صباح هو في تاريخ أمتنا لطخة عار ستمحى، ولكن عزائي عن هذه الوقفة التي تطعن قلبي يا سيادة الرئيس، والتي كان يمكن أن تشعرني بالخزي حتى الموت، أنك وأنت تطل على تاريخ فترى سيرته رؤية نبي وتصنعه صنع الأبطال قد ارتضيت لي هذه الوقفة، خطوة نحو لقاء مثمر (بين قوى تقدمية ثورية) يضع أمتنا في طريقها إلى وحدة تمتد جذورها عميقة في الأرض فلا انتكاس، وتشمخ راسخة كالطود فلا تزعزعها رياحها

ذلك عزائي يا سيادة الرئيس وذلك شفيعي عندك، وشفيعي عند جماهير أمتنا العربية التي لا تعترف بالانفصال إلا جريمة، وشفيع من ندبوني لهذه الوقفة ثواراً شجعاناً يقفون في معركة النضال العربي الواحد على خط النار، ويؤمنون بلقاء القوى الثورية العربية لا بديلاً للوحدة، بل خطوة نحوها».)

ويتابع د. كمال

ولعلي أزعم ان الأقرب الى قلب وعقل عبدالناصر كان سامي الدروبي ، بل إنه أصبح حافظ أسراره وناصحه الأمين بعد هزيمة ٦٧ ، وجلسات المعمورة في آب ٧٠ شاهدة ، ففيها أفضى اليه بأسراره وشواغله وما ينتويه

لكن الدروبي اعتصم بالصمت بعد رحيل عبدالناصر ، بل ولم يطق ان يبقى سفيراً بعده وعند غيره ، فعاد الى دمشق مقيماً في دارته شاغلاً نفسه بالترجمة ، وهو فنانها المعلى

ذات يوم من صيف ٧٤ توفي أحد أنجاله في حادث أليم بالمنزل ، فهوى عليه الحدث كالصاعقة … ما بينه وبين تدخينه الشره اعتلت عضلة قلبه ولم تطق صموداً الا قرابة عامين ليرحل إثرها الى دار الخلد صيف ٧٦

انتهى ما كتبه د. كمال. وانا اقدم لكم بدوري بعضاً من سيرة هذا العملاق
وُلِدَ سامي الدروبي في 27/4/1921، ودرس في مدارس حمص الابتدائية والثانوية، ثم أكمل دراسته في «تجهيز دمشق، القسم الثانوي للبكالوريا»

عمله واختصاصه

مارس سامي الدروبي التعليم الابتدائي في مدارس الجولان بالقطر العربي السوري.
تابع دراسته في دار المعلمين العليا لمدة عامين، وعُيِّنَ معلماً، وظل في وظيفته هذه كمعلم سنة واحدة درَّس خلالها في قرية «المخرم الفوقاني» في محافظة حمص.
أُوفِدَ إلى مصر في أواخر عام 1943 حيث تعلم في القاهرة، فدخل كلية الآداب، قسم الفلسفة، وتخرَّج منها سنة 1946.

عاد إلى سورية عام 1947 فعُيِّنَ مدرّساً للفلسفة والمنطق بثانويات حمص.
انتقل خلال الأعوام 1948 – 1949 إلى دمشق (كمعيد في الجامعة).
أوفِدَ إلى باريس خلال الأعوام 1949 – 1952 لتحضير الدكتوراه في الفلسفة
عاد من باريس وعُيِّنَ مدرّساً في كلية التربية، ثم أستاذاً لعلم النفس

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *