الإثنين, يوليو 22, 2019

Header ad
Header ad

روسيا – إيران: في سورية والشرق الأوسط

روسيا – إيران: في سورية والشرق الأوسط

الكاتب: كونستانتين تروفتسيف -ترجمة: د. محمد عبده الإبراهيم

تمثّلُ قدرةُ روسيا وإيران على الاستفادة من رصيد الثقة المُتبادل بينهما طوال مدّة الحرب في سورية وتحويلها إلى تعاون من أجل تحقيق إعادة الانتعاش السوري إحدى القضايا الرئيسة. إذا كان الجوابُ هو “نعم”، فسيكونُ من الممكن التحدّث عن الطابعِ الاستراتيجيّ للعلاقات الروسيّة-الإيرانيّة في سوريّة. ولكن إذا سادت المقاربات المختلفة بينهما بخصوص دورهما العسكريّ والاقتصاديّ هناك، فسيتم وصف التعاون الروسي الإيراني بأنَّه مجرّد تعاونٍ تكتيكيّ ويمثّل شيئاً من الماضي.
كانت اللقاءات مع وزير الخارجيّة الإيرانيّ محمد جواد ظريف والمستشار الأول للمرشد الأعلى لجمهورية إيران الإسلامية علي أكبر ولايتي، من أهم مظاهر إقامة وفد منتدى فالداي في طهران عام 2018.

وقد ركز وزير الخارجيّة على الطابع التكتيكيّ للعلاقات الثنائية بين روسيا وإيران، في حين أنَّ المستشار ولايتي شدّد على إيلاء المزيد من الاهتمام للجوانب الاستراتيجية. لا تتناقض هذه المواقف مع بعضها بعضاً. إذ أكّد السياسيّان الإيرانيان ببساطة على جوانب مختلفة من العلاقات الروسيّة- الإيرانية.

يتجلى البعدُ الاستراتيجي للتعاون الروسيّ-الإيراني بشكل بياني في الاتجاهات الجيوسياسية الشمالية والشرقية. العلاقات الثنائية في ما يتعلق بمناطق القوقاز وقزوين وآسيا الوسطى هي علاقات وثيقة لا لبس فيها، وتستند إلى الثقة، وعلى الأرجح لها مستقبل طويل الأجل.

ولابدّ هنا من الإشارة إلى جوانبَ مهمةٍ مثل ممرّ النقل الدوليّ بين الشَّمال والجنوب، واحتمالات انضمام إيران إلى منظمة شنغهاي للتعاون ومشاركتها في مشروع بناء أوراسيا الكبرى.

إنَّ الوضع في ما يتعلق بالشرق الأوسط بهيكله الشبيه بالفسيفساء وديناميكيته المتشابهة والتشابك المعقّد للخطوط الاستراتيجية والتكتيكية هو أمر مختلف.
هنا العلاقات الروسيّة-الإيرانيّة بعيدة كلّ البعدِ عن الوضوح، إذ إنّها متطابقة أو قريبة في بعض القضايا ومنقسمة إلى حدٍّ كبيرٍ في ما يتعلّق بقضايا أخرى.

وتبعا لذلك، فإنَّ روسيا تطور التعاون مع المملكة العربية السعودية و”إسرائيل” ومصر في مختلف المجالات، في حين أنَّ علاقات إيران مع هذه البلدان معادية صراحة.
ومع ذلك، فإنَّ هذا الاختلاف في المواقف يسمح لروسيا بالعمل كوسيط يمكن أن يمنع تصاعد التوترات إلى صِدام مباشر. كان هذا واضحاً في منع نشوب نزاع مسلح واسع النطاق بين إيران و”إسرائيل” خلال عمليات الجيش السوريّ في جنوب شرق سورية.

لا يزال الوضع في سورية إحدى النقاط الساخنة الرئيسة في الشرق الأوسط. منذ عام 2013، يمكن وصف العلاقات الروسية-الإيرانية في سورية بأنها شراكة، وبعد مشاركة روسيا المباشرة في الحرب السورية إلى جانب الحكومة في عام 2015، أصبح البلدان حليفين. (أثناء زيارة إلى “إسرائيل”، صرّح أمين مجلس الأمن القومي الروسي أن روسيا وإيران “حلفاء وشركاء” في سورية).

إنَّ العلاقات في المثلث الروسيّ-الإيرانيّ-التركيّ أكثر تعقيداً. ذلك أنَّ الدّولتين الأُوليين تعدّان حليفتين، لكنَّ تركيا مجرد شريك لأنها تدعم القوى المعادية لـ “النظام” السوريّ. يبدو هذا التعاون متناقضاً من النظرة الأولى، وكان من الممكن أن يتطور فقط، لأنَّ روسيا وإيران لعبتا دوراً حاسماً في منع الانقلاب في تركيا في عام 2016.

وقد مكّن ذلك من إطلاق عملية أستانا. في المقابل، بسبب أستانا، وبعد التخلص من “داعش” في عام 2017، تم تطويق القُوى المختلطة للمعارضة الإسلامية المتطرفة والإرهابيين في مناطق خفض التصعيد الأربع، تم تطهير ثلاث منها في عام 2018 في حين أن الرابعة التي تغطي محافظة إدلب والمناطق المتاخمة لها تحولت إلى منطقة تجميع، إذ تم إرسال الإسلاميين والإرهابيين من المناطق الأخرى.

رافق ذلك تعاون الجيش السوري والقوات المسلحة التابعة للاتحاد الروسي وإيران والقوات المتحالفة معها (حزب الله، إلخ) مع حياد تركيا الإيجابي نسبيّاً. في هذه العملية، كانت تركيا تتعامل مع أهدافها في سورية، ذلك على أساس (احتلال جزء من أراضيها، المواجهة مع الأكراد، ومحاولة إنشاء حكومة موازية على هذه الأراضي التي ستديرها قوات بديلة لـ “النظام” السوري).

تجدر الإشارة إلى أنه نتيجة لهذه العمليّة، تمكّن “النظام” السوريّ، بمساعدة القوات المتحالفة (الروسية والإيرانية في المقام الأول)، من إحكام سيطرته على ثلاثة أرباع أراضي البلاد مع ثلثي السكان.

يخضع أكثر من 20 بالمئة في الشمال الشرقي للبلاد لسيطرة الأكراد السوريين والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. هذا، وفي أثناء القتال ضد “داعش”، تحركت هذه القوات بالتوازي مع الجيش السوري، ولم يحدث اشتباك خطير واحد بينهما طوال تلك المدّة. يعود الفضل في ذلك إلى حدٍّ كبير إلى الاتصال المستمر بين الجيشين الروسي والأمريكي، رغم أنه لا يجب التقليل أيضاً من دور الجيش الإيراني في منع مثل هذه الاشتباكات.

من الواضح في هذا السياق أنه رغم تركيز وسائل الإعلام العالمية على إدلب، فإن مشكلة الشمال الشرقي لا تزال هي النقطة المحورية لإنهاء الصراع.
من الناحية العملية، يجب أن تتوصل دمشق والأكراد إلى اتفاق حول تسوية نهائية. إنَّ التفاهم الواسع بين روسيا والولايات المتحدة (إن لم يكن الإجماع) حول القضية الكردية واضح.

لا يعرف الكثير عن دور الظلّ الإيراني في ذلك. ومع ذلك، بالاشتراك مع الجيش الروسي، شارك الإيرانيون في منع الاشتباكات بين الجيش السوريّ والأكراد. لديهم قنوات اتصال مع الأكراد السوريين، وهذه الحقائق تبين أنَّ روسيا وإيران على الأقل تحتفظان بمواقف متقاربة بشأن القضية الكردية في سورية.
سيتم حلّ مشكلة إدلب بالتوازي على النحو الآتي: ليست هناك حاجة للجيش السوريّ لتطهير المحافظة بأكملها. يكفي تطهير ثلاثة أقسام على الحدود مع محافظات اللاذقية وحماة وحلب، ومحاصرة الإسلاميين والإرهابيين في الجزء المتبقي وتجميد هذا الوضع.

هذه العملية جارية بالفعل وتتميز ليس فقط بفهم واسع إلى حدٍّ ما، ولكن أيضاً بالتعاون بين الجيوش السورية والروسية والإيرانية في هذا المجال. تكمن المشكلات الرئيسة في تركيا، لكن الضغط المشترك عليها قد يؤدي إلى التأثير المرغوب.
هذا، وبالنظر إلى هذه الشروط، ستتم تسوية النزاع بعامّة. ستبقى فقط أراضي إدلب الصغيرة ومناطق الاحتلال التركيّة، ولكن هناك رأياً مفاده أنه في الوقت المناسب سوف تسبب صداعاً متزايداً لتركيا.

في الواقع، يشير الوضع الحالي بالفعل إلى بداية الانتقال إلى مرحلة ما بعد الصّراع التي في ضوء الشروط المذكورة، ستتطور على نطاق أوسع في المستقبل غير البعيد.

 

 

المصدر: مركز دمشق للدراسات

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *