السبت, يناير 25, 2020

Header ad
Header ad

حتى اللهاث

حتى اللهاث

خاص: شبكة أخبار دمشق – رفيف المهنا

أُنهي بسرعة ما طلبتْهُ مني ابنتي ، و أجلس بجانبها في السيارة . تنتظرني لألتقط أنفاسي حتى تقول لي و بكامل الجدية و الوضوح و بشكل لم أكن أنتظره :” شكراً بابا !!” .
أُحدِّق فيها مبتسماً و أضمّها لي معتبراً أن ما فعلتُه لأجلها طبيعي جداً ، لتعيد هي صياغة الجملة بطريقة أخرى و تقول :” أنت تلهَث !!” .
لقد بدا عليها التأثر الممزوج بالامتنان أمام لهاثي ، لقد شعرتْ بطريقة ما أنها أتعبتني .

يسود بعض الصمت بيننا ، ثم أقول لها اسمعي هذه القصة :
” أذكر أني و في عمر كنت فيه أصغر منك بقليل ، رافقتُ أبي في طريق العودة إلى القرية قادمين من قرية مجاورة .
كنّا ننتظر الباص مع أشخاص آخرين غرباء ، يتبادلون الحديث عن قلة الباصات العابرة من هنا ، و عن البرد الشديد هذا العام .

يقترب باص من بعيد و يستعد الجميع للانقضاض عليه .
يقف الباص على مسافة بعيدة من تجمع الركاب ليحمل أبي الحقيبة الحديدية الثقيلة و يركض مسرعاً جداً باتجاه الباص تاركني وراءه .

أصلُ الباص القديم المتعَب و أصعد كآخر الواصلين الذين ركضوا بسرعة لأجد أبي واقفاً يمسك الطرف الحديدي للمقعد الفارغ و كأنه يحميه من الباقين ، ليطلب مني أن أجلس هنا .

كان أبي قد حصل على مقعد فارغ ، و وقف يحرسه مبتسماً ، لأتمكن أنا من الجلوس ، بينما بقي هو واقف يثبّت بقدميه حقيبته الحديدية .”

أسأل ابنتي :
هل تعرفين لماذا هذه القصة !!
لأقول لك أنني أيضاً و في تلك اللحظة بالذات كنت أركز على لهاث أبي بعد أن ركض مسرعاً ليحجز لي مقعد الجلوس .
كنت أركز صامتاً بامتنان كبير … مثلك تماماً “.

صمتٌ جديد أنهته أغنية في راديو السيارة .

كنت أتمنى أن أقول لابنتي أنها هي أيضاً ستلهثُ لأجل أولادها و أحبائها ، و أن اللهاث ليس للتنفس فقط بل لإعلان فرح غريب لا تعرف به الأفكار و لا الأحلام ، فرح من اختصاص الأسرار ، يتكلم لغتها و يدندن أغانيها .

اللهاث وراثة .
إننا نتوارث اللهاث كما نتوارث الأسماء والأرض و عريشة العنب و شجر الزيتون .
نتقاسم اللهاث و الأنفاس و التعب كما تتقاسم الغيوم و الرياح و المطر همومَ الماء .

كنتُ أتمنى أن أخبرها ، أن هذه الرياح التي تهب في كل أصقاع الأرض هي لآباء لم يتعبوا من توقع أحلام أطفالهم في الليل ، ليصنعوها نهاراً ، و أن الأوكسجين الذي تمتلئ به رئتاها هو بفضل بشرٍ لا قدر لهم سوى الاستمرار .

كل ذلك لم يمنعني من أن أتذوق طوال النهار ال ” شكراً بابا ” التي قالتها ابنتي حرفاً حرفاً ، و أن أقدمها لأبي أيضاً تعويضاً عن ” شكراً يابا ” لم تخرج مني يومها في ذلك الباص القديم المتعَب .

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *