الإثنين, سبتمبر 16, 2019

Header ad
Header ad

ثورة 23 تموز 1952 في ميزان العلم

ثورة 23 تموز 1952 في ميزان العلم

خاص : شبكة أخبار دمشق – د. محمد سيد أحمد:

د.محمد سيد أحمد

لم تُهاجَم ثورة في التاريخ مثلما هوجمت ثورة 23 تموز «يوليو» 1952 بالرغم من مرور ما يزيد على ستة عقود ونيف على قيامها لكنها محل جدل كبير مازال يتكرر وتتصاعد وتيرته مع كل ذكرى سنوية لها, فهناك آلاف من الكتب, وأطنان من الأوراق والأحبار التي استهلكت في مقالات صحفية, وساعات بث واسعة عبر الإذاعات والشاشات, ثم أخيراً مساحات غير محدودة عبر الشبكة العنكبوتية – الإنترنت، سواء على المواقع أو صفحات التواصل الاجتماعي التي تحاول أن تنال منها.
وحتى اللحظة الراهنة مازال بعض الكارهين لها ولقائدها يصفونها (بالانقلاب العسكري) في محاولة لتشويهها, لكن هذه المحاولات الفاشلة لا يمكن أن تصمد أمام العلم كثيراً, فمن المعروف والثابت والمستقر والمتفق عليه في أدبيات العلوم الاجتماعية والسياسية أن «الثورة هي إحداث تغيير جذري في بنية المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية» هذا هو جوهر مفهوم الثورة.

لذلك، يمكننا التأكيد، بما لا يدع مجالاً للشك، على أن الثورات لا يُحكم عليها إلا بنتائجها, فإذا أحدثت تغييراً جذرياً في بنية المجتمع وفي خريطته الطبقية المختلة وأعادتها إلى توازنها.. نكون هنا أمام ثورة حقيقية, وإذا لم يحدث التغيير الجذري في بنية المجتمع وظلت الخريطة الطبقية المعتلة كما هي فإننا أمام أي شيء آخر غير الثورة. لذلك، نستطيع أن نقول، وبقلب وضمير مرتاحين وبعيداً عن أي مواقف غير موضوعية، إن ثورة 23 تموز 1952 هي الثورة الحقيقية الوحيدة حتى اللحظة الراهنة في تاريخ الشعب المصري لأنها الثورة الوحيدة التي أحدثت تغييراً جذرياً إيجابياً في بنية المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية, وهي الثورة الوحيدة في تاريخ مصر والتي انتصرت للفقراء والكادحين والمهمشين, وهو ما أدى إلى حدوث حراك اجتماعي صاعد لقطاعات واسعة من أبناء الشرائح الطبقية الدنيا الذين تمكنوا من العبور والصعود والاستقرار بكرامة في فناء الطبقة الوسطى.
ويلخص قائد الثورة جمال عبد الناصر أحوال المجتمع المصري عشية قيام الثورة في إحدى خطبه، إذ يقول باللهجة المصرية الدارجة: «500 مليون جنيه من 700 واحد.. طب والـ 27 مليون عندهم إيه.. ده الوضع اللي ورثناه.. ده الاشتراكية لما يبقى فيه عدالة اجتماعية.. ولكن مش العدالة الاجتماعية ولا المجتمع اللي نعيش فيه واحد بيكسب نصف مليون جنيه في السنة.. وبعدين كاتب لأولاده أسهم، كل واحد نصف مليون جنيه.. طب والباقيين الناس اللي ليهم حق في هذه البلد.. إيه نصيبهم في هذه البلد.. يورثوا إيه في هذه البلد.. لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون الغنى إرثاً والفقر إرثاً والنفوذ إرثاً والذل إرثاً.. ولكن نريد العدالة الاجتماعية.. نريد الكفاية والعدل.. ولا سبيل لنا بهذا إلا بإذابة الفوارق بين الطبقات.. ولكل فرد حسب عمله.. لكل واحد يعمل.. لكل واحد الفرصة.. لكل واحد العمل.. ثم لكل واحد ناتج عمله».

وبتأمل كلمات قائد ثورة «يوليو» تكتشف كيف كانت أحوال المصريين؟ وكيف كانت الخريطة الطبقية؟ وتكتشف أيضاً رؤيته الثاقبة وقراءته النافذة التي مكنته من وضع يده على الجرح العميق في جسد المجتمع المصري, وقدرته الفائقة على التشخيص السليم وكتابة العلاج, والذي تمثل في تحديد الأولويات التي جعلت العدالة الاجتماعية هي الحل الأمثل الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بتذويب الفوارق بين الطبقات, لذلك جاء مشروعه المنحاز للفقراء والكادحين والمهمشين منذ اللحظة الأولى ليوجه ضربات قاصمة للإقطاعيين والرأسماليين الأجانب الذين لم يتجاوز عددهم 700 شخص وكانوا يحوزون الثروة والسلطة والنفوذ.
فخلال الأيام الأولى لثورة «يوليو» كانت المواجهة مع القوى الاقتصادية المُسيطرة المتمثلة في رموز الإقطاع، فكان صدور قانون الاصلاح الزراعي ضربة قاضية أحدثت تغييراً جذرياً في البنية الاقتصادية والاجتماعية انعكس على شكل الخريطة الطبقية للمجتمع المصري، تبعتها ضربات سياسية لتغيير جذري في البنية السياسية التي كانت حكراً على مجموعة من الأحزاب التي تتربع عليها مجموعة من «البشوات» و«البهوات» و«الأفندية», فجاءت هيئة التحرير ثم الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي تنظيماً سياسياً جامعاً لقوى الشعب العامل, وأول مرة يتم تمكين جموع المصريين من المشاركة السياسية, فكانت نسبة 50 % للعمال والفلاحين في المجالس المنتخبة تمييزاً إيجابياً وانتصاراً على ظلم تاريخ، ثم نص دستور عام 1956 على حق المرأة في الترشح للبرلمان، خطوة سبقت فيها مصر بريطانيا العظمى التي لم يمكّن دستورها المرأة من الترشح إلا في عام 1958, وهذا تغيير جذري في البنية السياسية, ثم كان التعليم المجاني ودعم الدولة للعلوم والفنون والثقافة الجماهيرية تغييراً جذرياً في البنية الثقافية للمجتمع المصري.
هذا التغيير الجذري الذي انعكس على الخريطة الطبقية المُختلة قبل ثورة 23 تموز 1952 والتي كان يتم فيها الفرز الاجتماعي على قدم وساق, فجاءت الثورة لتنحاز للأغلبية العظمى من شعب مصر من الفقراء والكادحين والمهمشين, فكانت أغلبية سياساتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية تصب في مصلحتهم، لذلك يمكننا القول إن هذه الثورة هي الثورة الحقيقية وفقاً للتقييم العلمي لها.. اللهم بلغت.. اللهم فاشهد.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *