الثلاثاء, أكتوبر 15, 2019

Header ad
Header ad

تنمية بشرية!

تنمية بشرية!

نتيجة تدني مستوى التفاؤل لدى صديقتي «أمل»، نصحها البعض باتباع دورة في التنمية البشرية، على أساس أنها ستساعدها على تخطي مصاعبها الشخصية، بعد فهمها الأكبر لذاتها، وتالياً سيطرتها على حياتها، ورسم أسلوب تختاره لمعيشتها.

فعلاً سجَّلت «أمل» ودفعت «هديك الحسبة» من أجل عدة جلسات مع المدرِّب المخضرم «نافع»، وطوال ساعات التنمية المفترضة، لم تنمُ لدى صديقتي سوى قناعتها المطردة، بأن ذاك الـ«نافع» ، يشبه إلى حدٍّ كبير نوادل المطاعم الفاخرة في طريقة كلامهم المعسول، ودبلوماسيتهم الصفيقة، التي تُشعِرُكَ بأنك أهم شخص في العالم، بينما تنتهي صلاحية ذاك الشعور لحظة خروجك من المطعم، والشيء ذاته في تلك الدورة، إذ برغم دأب المدرب الجهبذ على إقناع «أمل» بأن نصيبها من اسمها وافر، إذاحوّلت بجمالها، ما سيجعلها مركز إشعاع للآخرين، وكأنها الشمس، وكل من حولها مجرد أفلاك مربوطة إليها بأسلاك، إلا أنها ما إن «انحشرت» في أول «سيرفيس»، حتى خبا نورها وأعتم في عينيها الكون التعيس، أما جميع ما سمعته عن أننا «نُعيب زماننا والعيبُ فينا» فسقط تلقائياً خلال معايشتها تجاوز السائقين الإشارة الحمراء، وتدافع الناس على الأفران الغَرَّاء، وشتائم التلاميذ على أسوار المدارس، والحَيْلِ المهدود لرب الأسرة المفلِّسة، بعد دوامين متتاليين… ما جعلها تتيقن من أن زماننا ليس عائباً فقط، بل وقحاً في لا إنسانيته والفجاجة فيه على وجهه مثل «النُّقط».

أما ما يتعلق بكنوز الطاقة الإيجابية الكامنة في روحها، والقادرة على إبراء كل جروحها، فتلاشت بعدما وقفت على واجهة أحد المحلات، واكتشفت أن راتبها لا يساوي سعر قميص بعد التنزيلات، هي التي تُفني نفسها بالتدريس، بينما جارتها، بالخياطة و«التدريز»، تعيش عيشة «خمس نجوم»، وبلا أي هموم، تتعلق بأساسيات المعيشة والبصل والثوم، وغير ذلك الكثير ما جعل «أمل» تندم على الساعة التي قبلت فيها أن «تَتَنَمَّى بشرياً» ضمن محيط أقل ما يُقال فيه إنه مملوءٌ بالغرابة التناقضات.

تشرين -بديع صنيج

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *