الثلاثاء, نوفمبر 24, 2020

Header ad
Header ad

تحولات خليجية إزاء دمشق.. انعطافة أم تحسباً لعصر بايدن؟

تحولات خليجية إزاء دمشق.. انعطافة أم تحسباً لعصر بايدن؟

دشنت المملكة العربية السعودية مسار المواقف المستجدة إزاء دمشق، مشرّعةً معابرها أمام تدفق الصادرات السورية، وذلك من خلال السماح للشاحنات السورية بالعبور في أراضيها عبر إعطاء السائق السوري “فيزا” عند معبر حديثة الحدودي بين السعودية والأردن.

الإجراء السعودي الذي اتُّخذ أواخر الشهر المنصرم، يكون قد طوى صفحة القطيعة بين طرقات المملكة والشاحنات السورية، والتي استمرت منذ العام 2011 تاريخ بدء الأزمة السورية، لكنه أيضاً فتح الباب على مصراعيه أمام سيل من التساؤلات حول اسبابه وخلفياته ودوافعه، وهل يشي بتغيير ما في السياسة السعودية إزاء دمشق، أم جاء فقط نتيجة حملة مقاطعة المنتجات التركية التي انطلقت في المملكة بالتزامن مع مرور الذكرى الثالثة لاغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وتالياً اضطرار الأسواق السعودية إلى البحث عن بديل مقبول عن المنتجات التركية المرفوضة شعبياً؟

من جهته، صرّح أنور قرقاش وزير الدولة الاماراتي للشؤون الخارجية، عبر حسابه الرسمي على تويتر، يوم السبت 7 تشرين الثاني/نوفمبر أن “الأزمة السورية الدامية والممتدة بحاجة إلى مقاربة جديدة فلا يمكن أن يستمر العنف بأبشع صوره وكأنه عمل طبيعي وخبر عادي”، وأكد أن “التوجه والدور العربي ضروريان لإنهاء العنف والاقتتال عبر رؤية واقعية وبراغماتية، ودون ذلك سيستمر الصراع الاقليمي على سوريا الشقيقة”.

وتدل بعض الكلمات المفتاحية في تصريحات قرقاش من قبيل “مقاربة جديدة” و”رؤية واقعية” و”الصراع الاقليمي”، على سعي أبو ظبي إلى تكريس سياستها الجديدة حيال سوريا التي شرعت بها منذ العام 2018، عندما قررت إعادة فتح سفارتها في دمشق. وتقوم هذه السياسة في جوهرها على اساس التقارب الدبلوماسي مع دمشق بهدف التصدي للنفوذين الايراني والتركي اللذين باتا يشكلان الهاجس الأول الذي يشغل بال قادة الخليج، بعدما أغلقوا باب العداء مع إسرائيل عبر اتفاقات التطبيع الأخيرة.

وكانت الامارات العربية المتحدة أول دولة عربية تقرر إعادة فتح سفارتها في دمشق في العام 2018، وتبعتها بيوم واحد دولة البحرين، وذلك ضمن توجه سياسي جديد كان يفترض أن تلتحق به بعض الدول الخليجية الأخرى، وعلى رأسها الرياض، غير أن الضغوط التي مارستها واشنطن وبلغت ذروتها مع إقرار “قانون قيصر”، نجحت في إيقاف موجة العودة العربية إلى سوريا.

وإذا كانت الامارات والبحرين قد اختارتا القيام بخطوة منقوصة تجاه دمشق، حيث ظل التمثيل الدبلوماسي على مستوى القائم بالأعمال فقط، فإن سلطنة عُمان كانت السبّاقة إلى اتخاذ الخطوة الكاملة الأولى نحو دمشق عبر إرسالها، في شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، سفيراً فوق العادة ليمثلها في العاصمة السورية بعدما كان سفيرها في الأردن يتولى مهمة تمثيل مصالحها في دمشق، منذ تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية.

ولم يكد السفير العماني الجديد تركي محمود البوسعيدي يستقر في دمشق بعد تسليم أوراق اعتماده إلى الرئيس بشار الأسد، حتى فجّرت شبكة إخبارية عُمانية مفاجأة من العيار الثقيل تمثلت بإعلانها عن زيارة وشيكة سيقوم بها الأسد إلى سلطنة عمان خلال وقت قريب.

ولم يصدر تأكيد أو نفي لهذه الزيارة عن مصادر رسمية في البلدين، وهو ما دفع البعض إلى اعتبار تسريب الخبر بمثابة اختبار جس نبض عماني لردة الفعل الدولية عموماً والعربية خصوصاً إزاء هذه الخطوة، وبناء عليه قد يتم تقرير ما إذا كانت المصلحة تقتضي السير بها أو تأجيلها وفق ما يرشح من مواقف رافضة أو مؤيدة، ولعل الأرجح أن يكون التسريب هو محاولة لتمهيد الأرضية لإجراء الزيارة من دون أن تترتب عليها آثار سلبية على صعيد العلاقة بين عُمان وباقي الدول الخليجية.

مجمل المواقف الخليجية السابقة، لا يمكن وصفها بأنها مواقف جديدة في سياسة هذه الدول، بل الأصح النظر إليها على أنها استئناف لموجة التقارب التي انطلقت عام 2018 وأجهضتها واشنطن. ويدفع ذلك إلى التساؤل عن سبب استئناف دول خليجية لمسار العودة إلى دمشق ودلالات التوقيت أثناء انشغال الولايات المتحدة بالسباق الرئاسي إلى البيت الأبيض.

لعلّ أحمد الجار الله، الصحافي الكويتي البارز ورئيس تحرير صحيفة “السياسة” الكويتية، وضع يده على الجرح عندما كتب افتتاحيته المعنونة “الشام شامك لو الزمن ضامك” بالتزامن مع إعلان عُمان تعيين سفيرها الجديد في دمشق في 5 تشرين الأول/اكتوبر الماضي. وابتدأ مقالته بمجموعة من التساؤلات ذات الدلالة على طبيعة الهواجس التي تشغل بال الدول الخليجية من جهة تطورات الأزمة السورية وتعقيداتها الاقليمية والدولية وما يمكن أن تفضي إليه من تداعيات خطيرة على الخليج العربي ودوله.

ومن هذه التساؤلات التي أطلقها الجار الله قوله “إلى متى سيترك العرب سورية نهباً للمشروعين الإيراني والتركي، وتبقى أنقرة وطهران تتاجران بالسوريين، وتوظف دماءهم في ألاعيبهما الإقليمية والدولية”. وأضاف “أَلم تتيقن الدول العربية، المهمة والفاعلة في الشأن القومي، أنَّ حروب الردة التي خيضت على هذه الدولة لم تؤد إلى أي نتيجة، بل ساعدت على زيادة التغلغل الإيراني، واستدراج إسرائيل إلى الاعتداء عليها، وإفساح المجال لتركيا كي تستقطع جزءاً من الأرض سعياً منها لإقامة كانتون تتحكم من خلاله بالمعادلة العربية، وتستخدم مرتزقة سوريين في حروبها، أكان في ليبيا أو أذربيجان، وغيرها من مناطق النزاع، ومنها الحشد على الحدود اليونانية؟”.

وعليه يمكن القول أن هناك وعياً خليجياً جديداً بدأ يتشكل بخصوص الأزمة السورية وتشابكاتها، ويعكس هذا الوعي مخاوف الدول الخليجية من الأبواب التي فتحتها الأزمة أمام توسع النفوذين الايراني والتركي. وثمة يقين في العواصم الخليجية أن التمدد الايراني والتركي إذ يضع قدمه في دمشق فإن غايته الحقيقية هو أن يطأ أرض الخليج في نهاية المطاف.

يمكن القول أن هناك وعياً خليجياً جديداً بدأ يتشكل بخصوص الأزمة السورية وتشابكاتها، ويعكس هذا الوعي مخاوف الدول الخليجية من الأبواب التي فتحتها الأزمة أمام توسع النفوذين الايراني والتركي

وبناءً على هذا الادراك، كان قرار الامارات بإعادة فتح سفارتها في دمشق قبل نحو عامين، باعتباره خطوة تمهيدية لانعطافة جذرية في السياسة الخليجية حيال سوريا، غير أن واشنطن كبحت جماح هذه الاندفاعة ونجحت في إجهاضها عبر سلسلة من الضغوط والاجراءات كان على رأسها إقرار “قانون قيصر” الذي يفرض عقوبات اقتصادية على أي دولة تقدم دعماً لدمشق.

أما اليوم، وبعدما أظهرت نتائج الانتخابات الأميركية أن جو بايدن أصبح على عتبة البيت الأبيض، خلفاً لمنافسه دونالد ترامب، فإن بعض العواصم الخليجية لا بدّ أن تكون قد شعرت بالقلق إزاء هذا الاحتمال، لا سيما الرياض التي ستنكشف دولياً وإقليمياً بعد زوال مظلة ترامب من فوقها خصوصاً في ظل وعد بايدن بالعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران.

ولعلّ هذا القلق مما يحمله بايدن في جعبته من مفاجآت وسياسات جديدة بخصوص الخليج، كان العامل الحاسم في دفع الامارات وسلطنة عمان والسعودية إلى تجريب مسارات سياسية جديدة أو استئناف مسارات أخرى قديمة من بينها مسار التقارب مع دمشق وذلك في محاولة منها لوداع ترامب والدخول في عصر بايدن بأقل الخسائر الممكنة.

ولكن يبقى السؤال كيف ستلاقي دمشق هذه المواقف الخليجية الجديدة. هل ستندفع إلى احتضانها والتماهي مع سياساتها وغاياتها أم أن الحذر سيكون سيد الموقف خاصة أن المطلوب مقابل هذا التقارب هو التخلي عن طهران، فهل الاختيار قضاء مكتوب على دمشق أم أنها ستجد هامشاً للمناورة وإيجاد صيغة تجمع فيها على قاعدة مصالحها بين حليفها القديم ومن يطرق بابها من أصدقاء جدد؟

عبدالله سليمان علي – 180 بوست

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *