الثلاثاء, يناير 28, 2020

Header ad
Header ad
آخر الأخبار

المسؤولية الاجتماعية للدولة.

المسؤولية الاجتماعية للدولة.
خاص: شبكة أخبار دمشق – د. محمد سيد أحمد

ومنذ تبلور هذا التعريف للدولة استقر في الأدبيات السياسية ما يُعرف بالحقوق الاجتماعية للمواطنين أو المواطنة الاجتماعية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من فكرة المواطنة وذلك إلى جانب الحقوق السياسية والحقوق المدنية وهو ما يطلق عليه البعض التقسيم الأخلاقي للعمل في المجتمع والذي تنطوي عليه نظريات العدالة الاجتماعية المختلفة.. ووفقاً لذلك ظهر مفهوم المسؤولية الاجتماعية للدولة، واتفق على أنه تبني سياسات واتخاذ قرارات واتباع توجهات سلوكية تستجيب لأهداف وقيم مرغوب فيها في المجتمع, وهناك من توسع في تعريف المسؤولية الاجتماعية للدولة لتشمل المسؤولية الاقتصادية والقانونية والأخلاقية والإحسان العمومي, وهناك من يوصّف المسؤولية الاجتماعية للدولة بأنها دولة الرعاية الاجتماعية التي تقف في وجه تغول السوق المتحررة من كل القيود.

والمسؤولية الاجتماعية للدولة – بحكم تعقد وتشابك مؤسساتها – تمتد إلى قدرة الدولة على حل المشاكل المترتبة على تطبيق السياسات العامة في مختلف مناحي الحياة ومواجهة المخاطر الكبرى والتهديدات الداخلية والخارجية.. ويمكن حصر المسؤولية الاجتماعية للدولة في قدرتها على إصدار القوانين والتشريعات التي تصب في مصلحة الأغلبية المطلقة من المواطنين, وقدرتها على القيام بمشروعات يستفيد منها الجزء الأكبر من السكان وخاصة محدودي الدخل في مجالات التعليم والصحة والسكن وغيرها, وقدرتها على مواجهة الغزو الثقافي والفكري والإعلامي ومعالجة الاضطرابات الأمنية وتجاوز سياسات الحصار المفروضة عليها وحل الأزمات المختلفة ومواجهة العدوان العسكري على أراضيها, وقدرتها على تطوير مؤسساتها وتنمية المجتمع والاستجابة لتطلعات مواطنيها, وتبنيها سياسات اقتصادية مستقلة تقلل من التبعية لدول أخرى وتخفف مديونيتها الخارجية التي يرثها المواطنون على المدى الطويل, واعتمادها الشفافية في اتخاذ القرارات وقيادة السياسات العامة وتنفيذها وتقييمها في شتى أبعادها, وقدرتها على توعية المواطنين بأهمية المسؤولية الاجتماعية الفردية واستعداد كل مواطن للقيام بنصيبه في تحقيق المصلحة العامة للمجتمع, وقدرتها على إنهاء مظاهر الفساد في المؤسسات الحكومية والخاصة وتعميم ثقافة المسؤولية الاجتماعية لدى رجال الأعمال وتنمية ثقافة العطاء.

ووفقاً لهذا الدور المنوط للدولة وبناءً على مسؤوليتها الاجتماعية تجاه مواطنيها تتحرك الدول على الخريطة العالمية بمسافات متفاوتة بعيداً عن أو بالقرب من النموذج الذي رسمه العلماء والباحثون في مجال العلوم السياسية, وبالطبع مجتمعاتنا العربية ليست مستثناة من ذلك, وبالتالي يمكننا الحكم عليها وفقاً لقربها وبعدها عن النموذج المرسوم, لكن لابد من أن نضع في اعتبارنا أن الصياغات النظرية المتعلقة بالمسؤولية الاجتماعية للدولة قد صكت في سياقات الخبرة التاريخية والسياسية والاقتصادية الغربية، والليبرالية على وجه الخصوص، والتي تنهض على السوق الحر أو باختصار خبرة المجتمعات الرأسمالية, ومن ثم فإن محاولة تطبيقها على مجتمعاتنا العربية من دون مراعاة الفروق الاجتماعية والبنائية والخبرة التاريخية المغايرة للمجتمعات العربية، قد يوقعنا في أخطاء ومقارنات ظالمة.

وفي محاولة فهم المسؤولية الاجتماعية للدولة في مجتمعاتنا العربية لابد من العودة للخلف قليلاً، ففي منتصف القرن العشرين ومع ظهور حركات التحرر الوطني بدأ دور الدولة يتشكل في الوطن العربي وخلال هذه المرحلة برز نموذجان: الأول هو الدولة المستقلة التي تحاول أن تقترب من فكرة ونموذج المسؤولية الاجتماعية للدولة تجاه مواطنيها، وتمثل مصر جمال عبد الناصر أحد الأمثلة لهذه الدولة.. والنموذج الثاني هو الدولة التابعة للنظام الرأسمالي العالمي الذي تتخلى فيه الدولة عن مسؤوليتها الاجتماعية تجاه مواطنيها وهو النموذج الذي تمثله مصر السادات، والذي أصبح أكثر شيوعاً وانتشاراً في الوطن العربي.

وفي ظل شيوع وانتشار نموذج التبعية الذي تتخلى فيه الدولة عن مسؤوليتها الاجتماعية تجاه مواطنيها, يبرز الآن على الساحة العربية نموذج الاستقلال الوطني الذي يحاول الوفاء بمسؤوليته الاجتماعية تجاه مواطنيه، وهو أنموذج الدولة السورية الذي أرسى دعائمه القائد المؤسس حافظ الأسد منذ مطلع السبعينيات، تلك الدولة التي استطاعت أن تقف وتصمد في وجه الحرب الكونية عليها مدة تسع سنوات متصلة.. وفي أوج الحرب مازالت الدولة الوطنية السورية تقوم بمسؤوليتها الاجتماعية تجاه مواطنيها, فالتعليم والصحة والسكن ومتطلبات الحياة اليومية مازالت مدعومة بشكل كبير من الدولة.. إلى جانب الحفاظ على استقلالية الاقتصاد والقرار السياسي, لذلك لابد أن تعي مجتمعاتنا العربية أن الحفاظ على الاستقلال الوطني هو السبيل الوحيد أمام الدولة للقيام بمسؤوليتها الاجتماعية تجاه مواطنيها.. اللهمَّ بلغت اللهمَّ فاشهد.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *