الأربعاء, أبريل 24, 2019

Header ad
Header ad
آخر الأخبار

القمة الإقتصادية و”البرقية السرية”

القمة الإقتصادية و”البرقية السرية”
ما بين الشأن الداخلي اللبناني والموقف من سوريا وتغييب الإمام موسى الصدر، تنوعت الأسباب والأمر واحد. قمة اقتصادية احتضنتها العاصمة اللبنانية، في 20 يناير/كانون الثاني 2019، غاب عنها أغلب القادة العرب لأسباب بعضها قد يكون تصفية حسابات فيما بينها، والبعض الآخر وراءه تقف خلفه ضغوط دولية.

مشهد القمة الإقتصادية العربية الرابعة في بيروت، عكس حالة التصدع داخل منظومة العمل العربي المشترك، وطرح أسئلة حول الضعف الذي تعاني منه المنطقة العربية أمام الأجندات الخارجية.

رسائل خارجية

يبدو بأن جهة التمثيل، عكست بشكل واضح قراراً أميركياً وخليجياً بمنع الرؤساء العرب من المشاركة في القمة، إذ أن واشنطن تراهن على “قمة وارسو” لا على القمة العربية، حيث يشير عدد من المراقبين إلى أن تعليمات أميركية وصلت لدول الخليج بمقاطعة القمة على مستوى الرؤساء منها تجميد الإنفتاح العربي على سوريا، ووقف أية اندفاعة لبنانية مرتقبة، وهذا ما يفسر كمية الإعتذارات المتتالية والمفاجئة للرؤساء عن عدم الحضور خاصة عقب زيارة وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، إلى المنطقة.

يمكن رؤية جهود وزارة الخارجية الأميركية من خلال برقية سرية أرسلتها السفارة اللبنانية في واشنطن إلى وزارة الخارجية اللبنانية، أشارت فيها أن واشنطن تحث لبنان وأعضاء آخرين في الجامعة العربية على عدم دعوة سوريا إلى القمة الإقتصادية العربية، وحث لبنان على عدم القيام بأي شيء يمكن أن يوفر للدولة السورية الأموال، مثل الإستثمار في سوريا أو إرسال الأموال، مع التحذير من أن أي مساعدات مالية أو مادية ستخضع للعقوبات الأميركية.

إن طلب منع دعوة سوريا للقمة الإقتصادية، وربما أيضاً من قمة الجامعة العربية، يقصد به ظاهرياً، حسب صحيفة “هآرتس”، منع الدول العربية من تطبيع العلاقات مع حليفة إيران، وإجبار لبنان نفسه على تقرير ما إذا كان مع أميركا ضد إيران، أو ما إذا كان يطيع أوامر حزب الله وطهران، ما قد يؤدي إلى قطع واشنطن المساعدات عن الجيش اللبناني.

وتشير الصحيفة، أن تلميح مساعد وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسية، ديفيد هيل وخلال زيارته لبيروت، عن أن نوع الحكومة اللبنانية سيؤثر على اقتصاد البلاد واستقرارها. كان هذا بمثابة تحذير من إعطاء مناصب رفيعة لحزب الله في الحكومة، التي لم تتشكل بعد، ولكن وكما يعلم هيل السفير الأميركي سابق في بيروت، لا توجد فرصة للبنان أن يمتثل لهذا المطلب نظراً لتوازن القوى السياسية في البلاد.

“تفخيخ” القمة

يمكن القول إن القرار الأميركي نجح بتفخيخ القمة على ثلاثة صعد: الأول عقد القمة بمستوى تمثيل منخفض إلى حده الأدنى، وهذا ما ظهر في الوفد الخليجي، والسعودي تحديداً، ما عكس استمرار المناخ السياسي العربي والخليجي بمقاطعة لبنان وتشديد العزلة العربية عليه، ويخفي ضغطاً أميركياً كبيراً على بيروت ربطاً بملفات استراتيجية تبدأ بسلاح المقاومة ودورها العسكري والسياسي بعد نهاية الحرب في سورية وترسيم الحدود النفطية وملف النازحين السوريين. الثاني، نجاح أميركي بتغييب سوريا عن قمة تعقد في أقرب دولة لها، وتبعا لذلك زيادة في تأزم العلاقات اللبنانية – السورية. الثالث، تقليص نتائجها الإقتصادية إلى أبعد الحدود.

لقد كان كلام وزير الخارجية اللبناني، جبران باسيل في مؤتمره الصحافي مع الأمين العام للجامعة أحمد أبو الغيط، بالغ الدلالة بإعلانه أن حضور أمير قطر كسر الحصار على القمة “فيا ترى من حاصر القمة؟” لم يجب الوزير باسيل بوضوح على هذا السؤال مستعيناً بصلاحياته الدبولوماسية لإنقاذ أبو الغيط من الإحراج الذي وقع فيه قبل أن يتحول هذا الإحراج غضباً وتوتراً في رده على سؤال أحد الصحافيين عن مدى الإلتزام بتطبيق مقررات القمة.

إن الأمانة العامة تبلغت “امتعاض” لبنان من مستوى التمثيل، فسارعت إلى التعويض عن ذلك بإجتماعات مكثفة توجت في اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب لرفع إنتاجية القمة الاقتصادية والإجتماعية، وقد تمكنت الدبلوماسية اللبنانية من انتزاع بند النازحين من “فم السبع” العربي، لكن تبقى العبرة بالتنفيذ. فما الذي يضمن تطبيق هذا البند في ظل موقف بعض الدول العربية، والخليجية بالتحديد، المدبلج أميركياً برفض عودة النازحين إلا الطوعية والآمنة؟

وتعليقا على الدور الأمريكي، يقول الشيخ ماهر عبد الرزاق، رئيس حركة “الإصلاح والوحدة” في لبنان، إن “غياب ملوك وحكام العرب عن القمة في بيروت بالأمس كان بقرار أميركي من أجل معاقبة لبنان على انتصاره على العدو الإرهابي والصهيوني ولأن لبنان بجيشه وشعبه ومقاومته يشكلان قوة ورادعاً في وجه العدو الصهيوني.” كما أكد الشيخ عبد الرزاق أن الصورة أصبحت واضحة أمام كل الشارع العربي، وأن ملوك وحكام العرب هم مجرد “أداة” يحركها الأميركي كيفما يشاء وهذا “قمة الذل والعار”.

النازحون على الطاولة

دعا البيان الختامي للقمة، المجتمع الدولي إلى دعم الدول المستضيفة للاجئين السوريين، للمساهمة في الحد من الآثار الإقتصادية والإجتماعية لهذه الإستضافة. وأكد البيان على التفويض الأممي الممنوح لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، وعدم المساس بولايتها، مشيراً إلى التضييق المالي الذي تتعرض له الوكالة.

وقال البيان “إزاء استفحال أزمة النزوح واللجوء السوري، فضلاً عن استمرار وتفاقم أزمة اللاجئين الفلسطينيين المزمنة، ندعو المجتمع الدول إلى تحمل مسؤولياته للحد من مأساة النزوح واللجوء ووضع كل الإمكانيات المتاحة لإيجاد الحلول الجذرية والناجعة”، كما دعا المجتمع الدولي إلى “مضاعفة الجهود الدولية الجماعية لتعزيز الظروف المواتية لعودة النازحين واللاجئين إلى أوطانهم، بما ينسجم مع الشرعية الدولية ذات الصلة.”

وفي الشأن الفلسطيني، أكد البيان على ضرورة دعم صمود الشعب الفلسطيني، وقال الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، حسام زكي في ختام القمة، إن الجامعة تؤكد ضرورة التزام الدول بالقانون الدولي فيما يتعلق بمدينة القدس، وعدم الإعتراف بها عاصمة لإسرائيل.

من ناحية أخرى، ثمّن البيان الختامي المبادرة التي أطلقتها الكويت خلال القمة لإنشاء صندوق بقيمة 200 مليون دولار للإستثمار في مجال التكنولوجيا والإقتصاد الرقمي، ومساهمتها مع دولة قطر بنصف رأسمال الصندوق، أي خمسين مليون دولار من كل منهما، وهو ما أعلنه وزير المالية القطري، علي شريف العمادي.

من ناحية أخرى، قال وزير باسيل إن أمير دولة قطر “كسر الحصار” المفروض على بلاده ووصل إلى بيروت في بادرة سياسية لكسر الحصار عن القمة. من جانبه، كتب أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني على “تويتر”، عقب إنهاء القمة “سعدت بمشاركتي في القمة العربية التنموية الإقتصادية والإجتماعية”، مضيفاً “كان قراري بالمشاركة في القمة طبيعياً من منطلق الحرص على العمل العربي المشترك، الذي بينت القمة الحاجة الملحة لتعزيزه في وجه الأزمات والتحديات التي تواجهها”، وتابع بالقول “شكراً للبنان قيادة وشعباً على استضافتها”.

سوريا: الغائب الحاضر

كان الوضع في سوريا هو الأكثر بروزاً لغياب القادة عن هذه القمة الإقتصادية، فتحول الأمر إلى انقسامات بين الدول العربية بشأن المشاركة والحضور، وحتى على مستوى الضيوف الذين مثلوا بلادهم في هذا التجمع. وعلى الرغم من أن هذه القمة ليست بنفس أهمية قمة جامعة الدول العربية، التي ستعقد في تونس في مارس/آذار 2019، لكنها شهدت حضور العديد من القادة عندما عقدت آخر مرة في المملكة العربية السعودية، العام 2013، وكانت الدول العربية آنذاك، مثلما هي الآن، منقسمة بشأن ما يسمى  بـ “الربيع العربي”، الذي أطاح بأربعة زعماء عرب، وأدى إلى اندلاع ثلاث حروب في المنطقة.

وتعد نقطة الخلاف الرئيسية في هذه القمة هي عودة سوريا إلى الجامعة العربية، خصوصاً بعد تغير الوضع في الداخل السوري، إذ نجحت دمشق، بمساعدة ودعم كل من روسيا وإيران، في السيطرة على معظم الأراضي التي كانت في حوزة الفصائل المسلحة وكذلك تنظيم “داعش” الإرهابي.

بالنسبة إلى الموقف اللبناني الرسمي، كانت الرغبة تتمحور حول عودة الدولة السورية إلى الجامعة العربية من بوابة القمة الإقتصادية المنقعدة في بيروت، بعد هرولة عدد من الدول العربية لفتح سفاراتها في دمشق. فيما ذهب البعض الآخر لأبعد من ذلك، كما حدث من الرئيس السوداني عمر البشير، والموريتاني محمد ولد عبد العزيز، اللذين زارا دمشق نهاية العام 2018، فيما أعادت كل من الإمارات والبحرين فتح سفارتهما في دمشق، مع وجود تلميحات سعودية بعودة العلاقات الدبلوماسية أيضاً.

عزوف ليبي

مع الإعلان عن القمة الإقتصادية والبدء في توزيع الدعوات على الدول المشاركة، برزت معاضة لبنانية على حضور ليبيا إلى القمة. وكان رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، هو من أثار هذا الأمر خصوصا مع اتهامه للقيادات في طرابلس بعدم التعاون في كشف مصير الإمام المغيب موسى الصدر ورفيقيه، أبان حكم الرئيس الراحل العقيد معمر القذافي.

ومع حدوث بعض التطورات الأمنية، أعلنت الحكومة الليبية عزوفها عن المشاركة في أعمال القمة، مشيرة إلى أن آلاف الليبيين اختفوا أيضاً تحت حكم القذافي الذي دام أربعة عقود، وليست هي المسؤولة.

أخيراً، لعل النجاح الوحيد الذي حصده لبنان من انعقاد القمة الإقتصادية العربية على أرضه هو النجاح التنظيمي وحسن الضيافة، فإلى جانب التمثيل العربي الباهت في أهم المؤتمرات العربية الإقتصادية، جاءت النتائج السياسية كما الإقتصادية مخيبة للآمال رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها الأمانة العامة للجامعة العربية ووزارة الخارجية وفريق رئاسة الجمهورية لتظهير صورة مغايرة للواقع، عبر تسليط الضوء على مشاريع حظيت بتوافق المؤتمرين، إلا أنها مشاريع ليست بجديدة بل سبق وأن تم طرحها، في قمة العام 2011، وبقيت حبراً على ورق، حيث يمكن اعتبارها وبإختصار “قمة تكرار لأفكار لا المشاريع”.

أما لجهة الحصادين الإقتصادي والمالي، فأبلغ دليل على فشل القمة هو عجز ممثلي 22 دولة عن جمع 200 مليون دولار لتمويل الصندوق العربي للإستثمار في مجالات التكنولوجيا والإقتصاد الرقمي، فلم تبادر للمساهمة سوى دولتين وبنصف القيمة.

يارا نبيعة -سيتا

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *