السبت, ديسمبر 14, 2019

Header ad
Header ad
آخر الأخبار

القصة الكاملة لمجزرة جسر الشغور “الشهيد أبو يعرب ورفاقه “

القصة الكاملة لمجزرة جسر الشغور “الشهيد أبو يعرب ورفاقه “

شبكة أخبار دمشق – خاص حسام حسن 

لم يكن الشارع السوري قد علم بعد بما جرى اليوم في جسر الشغور ، ليظهر وزير الداخلية السوري محمد إبراهيم الشعار ، ويقول في بيان مقتضب : إن الدولة ستتعامل بقوة وحزم ، ردا على الهجمات الإرهابية التي استهدفت مناطق عامة وخاصة ومرافق حكومية .

خرج تلفزيون الدنيا عن الصمت الرسمي الذي لف ساعات النهار ، على وسائل الإعلام الحكومية ، لينقل عصرا أن عدد الشهداء في صفوف قوى الشرطة والأمن في جسر الشغور بمنطقة إدلب ، قد ارتفع إلى 50 ، ثم 60 ، ثم 75 ، وفي الحصيلة النهائية عند نحو الساعة 9 ليلا ، وصل الرقم إلى 120 .

لا رواية رسمية بعد لما جرى ، لكن ما حصل عليه مراسل الدنيا ، من مصادر ميدانية غير رسمية ، كان فظيعا جدا : عصابات مسلحة نصبت كمينا لرجال الأمن في جسر الشغور ، شمال غربي سورية ، وجرت في الكمين اشتباكات لا تزال دائرة بين القوى الأمنية ومئات المسلحين الذين يستخدمون الأهالي دروعا بشرية ، والمسلحون يهاجمون دوائر حكومية ، ويحرقون بعضها ويقتلون من يصادفون ، ويمثلون بجثثهم .

فيما تسرب حتى اللحظة ، أن عناصر الأمن والشرطة كانوا في طريقهم إلى جسر الشغور ، تلبية لنداء استغاثة من مواطنين مدنيين ، كانوا قد تعرضوا للترويع ، وهربوا من منازلهم باتجاه مراكز الشرطة والأمن .

استعادت القوى الأمنية زمام المبادرة ، مع ساعات الليل ، وبدأت بمؤازرة الشرطة تحاصر بعض المنازل التي يتحصن فيها المسلحون ، ويطلقون النار على العسكريين والمدنيين .

لم ينقطع البث المباشر لتغطية ما يجري ، على شاشة تلفزيون الدنيا ، وكل اتصال مع المراسل من محافظة إدلب ، كان يحمل جديدا ، على مدار الساعة ، ففي الحادية عشرة ليلا ، أفاد بأن المدينة لا تزال تشهد إطلاق نار كثيفا ، من دون أن تتوفر تفاصيل عما يجري فيها ، بسبب استحالة الوصول إلى أماكن الاشتباكات .

من جهة أخرى ، حاولت قناة الجزيرة القطرية ، تشتيت الانتباه عن جسر الشغور ، وهي تبث عواجلها على شاشاتها ، وتقول فيها إن قوات الأمن السورية أطلقت النار على حشد ضم آلاف الاشخاص في مدينة دير الزور شرقي سورية ، وأصابت عددا من المتظاهرين بجراح ، عند محاولتهم تحطيم تمثال الرئيس الراحل حافظ الأسد .

قناة العربية ، من جانبها ، انشغلت بالوضع في حماة ، التي تبعد 210 كيلومترات شمالي دمشق ، لتنقل أن ” السكان واصلوا إضرابهم الذي بدأ السبت ، بعد مقتل 60 مدنيا في احتجاجات شعبية واسعة يوم الجمعة ” .

وجوم في الشارع السوري ، فالأنباء تتحدث عن 120 شهيدا ، دفعة واحدة ، من الشرطة والأمن ، برصاص مجموعات مسلحة ، في جسر الشغور ، بمحافظة إدلب !

خطفت أحداث مدينة جسر الشغور شمال غربي سورية ، كلّ الاهتمام الموجه إلى الملف السوري ، وسط تأكيد دمشق أنّ مجزرة حقيقية حصلت بحق القوى الأمنية في تلك المدينة ، حيث يقوم الجيش بحملة ضد ” العصابات المسلحة ” منذ يوم السبت.

وحسبما توفر من روايات رسمية ، فإن الضحايا من قوى الأمن والشرطة ، ارتقوا بنيران تنظيمات مسلحة تحصّنت في بعض المناطق ، قرب جسر الشغور .

ووفق المعلومات الأوّلية ، فإن عناصر الأمن والشرطة كانوا في طريقهم إلى جسر الشغور ، تلبية لنداء استغاثة من مواطنين مدنيين ، كانوا قد تعرضوا للترويع ، وهربوا من منازلهم باتجاه مراكز الشرطة والأمن ، فتعرضوا بدورهم لكمين مسلح ، تبعته اشتباكات استخدمت فيها التنظيمات المسلحة الأسلحة المتوسطة والرشاشات والقنابل اليدوية وقذائف الآر بي جي ، متخذةً من الأسطح ، مراكز لقنص المدنيين وقوات الشرطة والأمن .

ظل ما يلي حديث الشارع : المسلحون هاجموا بأعداد كبيرة المركز الأمني الذي التجأ إليه المدنيّون ، كما هاجموا مبنى البريد في جسر الشغور وفجروه بأنابيب الغاز ، ومثّلوا بالجثث وألقوا كثيرا منها في نهر العاصي .

الأخطر من ذلك ، أن المجموعات المسلحة هاجمت موقع سد وادي الأبيض ، وسرقت 5 أطنان من مادة الديناميت ، كانت مخزنة هناك ، وحاولت تفخيخ محطة كهرباء سد زيزون .

كان للطرف الآخر روايته بطبيعة الحال ، فخرج على شاشات الفتنة ، ليقول إن إطلاق نار تلاه انفجار سمع في المقر العام للأمن العسكري في جسر الشغور ، ويبدو أنه حصل إثر عملية تمرد ، ورفض لإطلاق النار على المتظاهرين !

غداة إعلان دمشق ارتقاء 120 شهيدا في صفوف الأمن والشرطة في جسر الشغور ، بدأ الحديث عن اقتراب عملية عسكرية من المدينة ، التي ذكرت وكالة الأنباء العربية السورية – سانا أن أهلها يناشدون الجيش التدخل ضد المسلّحين ، رغم بروز روايات ” على الجزيرة والعربية ” عن أن حصيلة الضحايا هي ” نتيجة انشقاقات ” .

لم تكن القصة قد تكشفت كل تفاصيلها بعد ، حين نقلت وكالة فرانس برس عن ” ناشطين ” قولهم إن ناقلات جند اتجهت الى مدينة جسر الشغور ، انطلاقا من حلب ، وفيما ذكرت صحيفة الوطن السورية أن عملية أمنية وعسكرية واسعة النطاق ستشن في قرى منطقة جسر الشغور ، بعد معلومات عن وجود مئات المسلّحين ، نفت وكالة فرانس برس المعلومات عن عصابات مسلحة ، مشيرة إلى أن عناصر الشرطة قُتلوا خلال عصيان في مقر قيادة الأمن في المدينة الواقعة في محافظة إدلب . كذلك قال بيان نشر على موقع فيسبوك ، ويحمل توقيع ” سكان جسر الشغور ” ، إن مقتل الشرطيين والجنود هو نتيجة الانشقاقات في الجيش ، ولا وجود للعصابات المسلّحة في المنطقة !

جاء في البيان ، مجهول النسب ، الذي لا يشير إلى الجهة التي كتبته : ” نحن أهالي جسر الشغور ، نؤكد أننا لم نطلب حضور الجيش ، ولا أساس للحديث عن وجود مسلّحين في المنطقة ، واللجان الشعبية في جسر الشغور تتكفل بحفظ الأمن في المنطقة ، ولا داعي لأي عناصر غريبة عن المنطقة ، كي لا ندع فرصة للمندسّين والمخربين والمسلحين الذين ينتحلون الصفة الأمنية ، ونؤكد أن القتلى في صفوف الجيش والأمن وقعوا نتيجة انشقاقات في صفوفهم ، حيث بدأوا بإطلاق النار فيما بينهم على ما يبدو ، لأن بعضهم رفض أوامر إطلاق النار ، على المدنيين العزّل ! ” .

وكالة رويترز اقتربت من الواقع ، حين نقلت ، عن مصادر سمتها بالموثوقة ، أن قصة هرب قوات الأمن غير حقيقية ، وأن الحقيقة هي أن أفراد الشرطة وقوات الأمن قتلوا على أيدي المسلحين خلال العملية ، وقد تعرضوا لإطلاق النار ، وأن بعض الناس في بعض المناطق رفعوا السلاح ، بوجه الأمن فعلا .

أضافت رويترز نقلا عن مصدرها الموثوق : ” الوضع خطير ، وما يحدث ، يعدّ ، عصياناً مسلحاً ! ” .

بعد ساعات ظهرت تفاصيل جديدة ، عمّا جرى في جسر الشغور ..

المكان : مفرزة الأمن العسكري – جسر الشغور

الزمان : 6 حزيران – يونيو عام 2011 .

نقلت وكالة يونايتد برس عن ” ناشط سوري ” مقيم في بريطانيا ، إشارته إلى أن مئات المسلحين يُعتقد أنهم تابعون لجماعة إسلامية محظورة ، نصبوا كمائن وانتشروا في مناطق عديدة من بلدة جسر الشغور بانتظار دخول الجيش . وقال الناشط ، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه ، إن المسلحين قاموا بتصفية مفرزة تابعة للأمن العسكري يبلغ عدد أفرادها 80 عنصراً بكاملها ، ونقلوا بعض الجثث لعرضها في شوارع جسر الشغور ، قبل أن يرموها في نهر العاصي وعلى ضفافه ويتركوا جثثاً أخرى في الشوارع . وأضاف أن المسلحين قتلوا 40 عنصراً من قوى الأمن السورية في كمائن في حقل سنابل وأصابوا مروحية تابعة للجيش حاولت إخلاء هؤلاء من المنطقة قبل تصفيتهم ، لكنها لم تتحطم .

وفي السياق نفسه ، بث التلفزيون السوري ، وقناة الإخبارية السورية ، وتلفزيون الدنيا ، وقناة المنار ، وقناة العالم ، صوراً لمجازر وحشية ارتكبتها تنظيمات إرهابية مسلحة بحق قوات الجيش وقوى الأمن والشرطة والمدنيين في جسر الشغور ، مشيرة إلى أن أفراد هذه التنظيمات الإرهابية المسلحة استخدموا سيارات حكومية ، وارتدوا لباساً عسكرياً ، وقتلوا وخربوا وروعوا الناس ، وصور بعضهم بعضاً ، استباقاً لدخول الجيش ، لاستخدام هذه الصور للنيل من المهمة الوطنية للجيش وسمعته .

بدورها ، نقلت صحيفة الوطن ، عن مصادر في محافظة إدلب رفضت الكشف عن هويتها أن الجيش السوري والقوات الأمنية يقومان بعملية دقيقة للغاية تشبه العملية الجراحية ، وذلك حرصاً على أرواح الأبرياء ، الذين لا يزالون رهينة المجموعات المسلحة التي تسيطر على مساحة واسعة من المحافظة ، وتحديداً في جسر الشغور ومحيطها . وتحدثت الصحيفة عن قيام المجموعات بتفخيخ عدة طرق ومحاور منعاً لوصول تعزيزات أمنية وعسكرية ، ونصبت كمائن في قرى صغيرة ، وتستخدم الغابات والكهوف للاختباء ، إضافة إلى أسلوب الكر والفر باتجاه الحدود التركية ، وتحدثت المصادر للصحيفة عن حصول حالات مروعة في تشويه الجثث ، من بينها تعليق بعض الجثث على الأعمدة .

وأشارت الصحيفة إلى أن تلك الأوضاع أدت إلى استشهاد 107 رجال أمن ، وجرح 45 عنصراً ، وفقدان وأسر 8 عناصر ، ومقتل 16 شخصاً من المجموعات المسلحة ، أوضحت أنه لا يزال هناك غموض بشأن عدد آخر من الشهداء والمفقودين ، نتيجة سيطرة المسلحين على المشفى الوطني في جسر الشغور ، وامتناعهم عن تسليم جثث الشهداء ، ما يشير إلى أن حصيلة الضحايا مرجحة للارتفاع .

ما الذي جرى فعلا ؟

في ساعة الصفر ، اقتحم آلاف المسلحين ، مدينة جسر الشغور الحدودية ، مع لواء إسكندرون السليب ، وهاجموا المفرزة من كل الجهات ، واستخدموا أسلحة متوسطة ورشاشات ثقيلة وقواذف صاروخية ومدافع مضادة للطائرات من عيار 23 مم ..

قاوم عناصر المفرزة بأسلحتهم الخفيفة ، بانتظار وصول مجموعة من رجال المهام الخاصة ، التابعين لوزارة الداخلية في عدّة حافلات ، لكن هؤلاء لم يصلوا أبدا ، فقد نصب ” إخوة الوطن ” لهم كمائن على الطريق إلى المفرزة ، واستشهدوا جميعا .

أرسل الجيش العربي السوري طائرة مروحية عسكرية ، من مطار حميميم ، لنقل الذخيرة والمؤن ، إلى عناصر المفرزة المحاصرين ، وتصوير ما يحدث ، وتقدير عدد المهاجمين وما يملكونه من عتاد .

كانت المفاجأة صاعقة ، فالمعتدون يملكون مدافع مضادة للطائرات ، ولم تستطع المروحية تنفيذ عملية الإنزال الجوي للذخيرة والمؤن .

باتت مفرزة الأمن العسكري في جسر الشغور ، مطوّقة من كل الجهات ، وأطبق ” إخوة الوطن ” حصارهم على المفرزة ، وجهوا نداءً بمكبرات الصوت إلى العناصر الباقين على قيد الحياة في المفرزة ، وكان عددهم نحو 35 عنصراً ، وطلبوا من العناصر تسليم أبي يعرب ، ويمكن للباقي أن ينسحبوا .

العميد الركن فداء الأحمد – أبو يعرب ، رئيس مفرزة الأمن العسكري ، في جسر الشغور ، هو المطلوب ، ويستطيع البقية المغادرة إلى بيوتهم بأمان !

حصار أخلاقي ، أريد لأبي يعرب ، المصاب في تلك اللحظة ، أن يقع في أتونه ، وعلى القائد ، أن يحسن التصرف ، فخاطب الرئيس مرؤوسيه ، بكلمات خالدة ، تتفجر بالرجولة ، وبالحنان ، معا :

” من وصل حتى هذه اللحظة ، لن يكون عليه أي لوم لو انسحب ، أثبتم جميعاً أنكم رجال ووطنيون ، ولا أحد يستطيع المزاودة عليكم ، وأنا أعفي كل من سينسحب من أي مسؤولية ، أنا وحدي المطلوب الآن ، فعودوا إلى أهلكم اذا أردتم ، هناك من ينتظركم ، جميعكم تعلمون طريق الانسحاب ، بارك الله بكم ” .

أحد خيارين :

يبقى أبو يعرب المصاب في المفرزة ، حتى ينجو الآخرون ، بعد أن يغطيهم نارياً لحين انسحابهم عبر النهر . أو يسلم أبو يعرب نفسه للمسلحين ، ويتأكد من وصول باقي عناصره إلى خارج منطقة الخطر والغدر !

كان يجب على العناصر أن ينسحبوا ، ولكنهم لم يفعلوا !

أولئك ، الذين أضحوا بعد قليل شهداء الوطن ، كانوا يعرفون طريق النهر للهروب من الجسر ، ولكنهم كانوا يريدون أن يكون لموتهم معنى ، مع أبي يعربهم ، على بعد رصاصة ، من الشهادة ..

اعترافات الضابط المنشق الخائن ” حسين الهرموش ” كشفت كل شيء ، في وقت لاحق ، فقد بقي الرجال مع سيدهم ، أبي يعرب ، حتى النهاية . رفض تركهم ، فرفضوا ترك رفاقهم خلفهم ، وانتهت الذخيرة ، وفاضت الأرواح إلى بارئها ، زكية ، عزيزة ، حرة ، تستحق لقب : حماة الديار !

بعد نحو سبع سنوات ، امتلكت وكالة أنباء روسية الجرأة الكافية لتتحدث عن بشاعة ما جرى .

وكالة ” سبوتنيك ” تكشف تفاصيل مذبحة جسر الشغور في سورية ، فتقول ، في ( 18 حزيران – يونيو 2018 ) ما يلي :

إلى البعيد نحو الطريق الواصل إلى قسم ” جسر الشغور ” ، كان الصمت ثقيلا ، هناك في الفضاء الريفي العابق برائحة الموت القادم ، لم يكن لشيء أن يكسر جليد الانتظار سوى صوت الأغنية الأخيرة التي أنشدها رجال المفرزة الأمنية ، تحية لوطنهم الماضي عميقاً في حرب إرهابية طويلة لم تنته فصولها حتى يومنا هذا .

في السادس من حزيران – يونيو عام 2011 ، تلقى عناصر القسم الأمني المسؤول عن منطقة ” جسر الشغور ” بريف إدلب الجنوبي الغربي ، معلومات مفادها أن مسلحين غرباء باتوا في طريقهم إلى الموقع ، ليتأهب كادر القسم متمترسا فوق سطح المبنى ، ورجاله يرمقون التل المقابل الذي سينطلق منه التكفيريون في هجومهم .

الفيديوهات التي تسربت فيما بعد ، أظهرت حينها إدراكهم أنهم ملاقون المذبحة لا محالة ، ليظهر فداء أحمد الملقب ” أبو يعرب ” والذي يرأس القسم الأمني ، في تسجيل شكل في مضمونه أحد أعقد المشاهد الأسطورية خلال الحرب ، مردداً بشجاعة فريدة سلسلة من الأغنيات أمام الجنود ، تقطيعاً للحظات الانتظار ريثما تصل قطعان التكفيريين القادمين إليهم .

كان رجال القسم على علم تام بما جرى لكتيبة حفظ النظام ، التي تم إرسالها لمؤازرتهم ، وتعرضها لكمين غادر قرب جسر بلدة ” أورم الجوز ” ، لم ينج أي من هؤلاء مع قائدهم المقدم محمد مبارك ، تم تصفيتهم جميعا بطلقات قناصات وأسلحة ، لم يعرف نوعها حتى اليوم ، وجميع الرصاصات اخترقت القلب أو الرأس بعد تجاوزها الخوذ العسكرية .

لم يرضخ جنود القسم المتحصنين لتهديد المسلحين لهم بالمصير الذي لاقاه زملاؤهم المؤازرين ، كانوا يعلمون أن قطع الرؤوس ينتظرهم بعد أسرهم ليس إلا ، وبعد رفضهم الاستسلام ، ووفق فيديوهات نشرها مجهولون آنذاك ، اقتربت عبر البستان القريب جرافة ضخمة تحمل براميل معبأة بمواد شديدة الاشتعال ، وبعد وضعها عند مدخل القسم ، تم تفجيرها لتحول أجساد معظم عناصر القسم إلى أشلاء ، وليواجه الناجون منهم أبشع طرائق القتل التي أحدثت صدمة في وجدان السوريين ممن لم يعتادوا تناثر الجثث المشوهة والمحروقة ، بهذا القدر من العنف ، والوحشية ، من قبل .

منذ أيام ، مرت الذكرى السنوية السابعة للمجزرة ، التي راح ضحيتها مئات العسكريين السوريين ، ممن قتلوا بوحشية وقطعت أوصال بعضهم على يد قوى الإرهاب ، التي تخفت مع بداية الأحداث في سورية ، منذ أكثر من 7 سنوات ، تحت شعارات الثورة والسلمية ، فمع مطلع شهر حزيران – يونيو 2011 ، اخترق الإرهابيون جسر الشغور وحولوها إلى ساحة للقتل والترويع ، وهاجموا المراكز الأمنية والشرطية والمؤسسات العامة والخاصة ، واستباحوا شوارع وأحياء ومنازل المواطنين الأبرياء ، ومثلوا بجثث القتلى ، وألقوا بعضها في نهر العاصي وفي مكبات القمامة .

د. زاهر حجو مدير الهيئة العامة للطب  ، كان شاهد عيان على كبرى المجازر التي حدثت خلال فترة الحرب على سورية ومنذ عام 2011 ، حيث كان رئيس الطب الشرعي في إدلب ، وكلف آنذاك الإشراف على استخراج وفحص جثامين شهداء رجال الأمن والشرطة ، من المقابر الجماعية ، التي قامت التنظيمات الإرهابية المسلحة بإعدادها ، حيث ظهرت الحقائق ، ومعها تصورات أولية لأبعاد المؤامرة التي تتعرض لها سورية ، منذ ذلك الحين .

وقال الدكتور حجو لوكالة ” سبوتنيك ” : إن هناك أكثر من مجزرة سبقت ارتكاب الإرهابيين لمجزرة جسر الشغور ، وللأسف حتى اليوم يتم الخلط بين هذه المجازر على أنها واحدة ، موضحا أنه قبل مجزرة جسر الشغور بأيام قليلة ، ارتكبت الجماعات الارهابية مجزرة راح ضحيتها أكثر من مئة من الشرطة وقوات حفظ النظام ، كانوا في طريقهم لمؤازرة مفرزة الأمن العسكري المحاصرة في جسر الشغور ، كما قام عشرات الإرهابيين ، بقتل ثمانية من حراس مبنى البريد في جسر الشغور ، ومثلوا بجثثهم وألقوها في نهر العاصي ، كل ذلك قبل ارتكاب ما عرف حتى اليوم بمجزرة جسر الشغور .

وأوضح الدكتور حجو : بتاريخ 5 حزيران – يونيو ، وقعت قوة عسكرية وأمنية تضم أكثر من 100 عنصر ، كانت متجهة لمؤازرة مفرزة الأمن العسكري المحاصرة في جسر الشغور ، وقعت في كمين محكم ومدروس في منطقة ” أورم الجوز ” التابعة لـجسر الشغور ، قتل على إثره جميع عناصر تلك المؤازرة ، حيث فتك بهم دون أن يطلقوا طلقة واحدة ، فقد تبين من معاينة أكثر من مئة جثة ، أن الطلقات المستخدمة كانت من نوعية فريدة ، وأطلقت باحترافية عالية من مسافة 600 إلى 700 متر ، واستهدفت جميعها منطقة القلب والرأس ، ما يشير إلى أن ” عتاة المحترفين والقناصين من المقاتلين الأجانب ، هم من نفذ هذه المجزرة ، مستخدمين أسلحة عالية الدقة والقوة ” .

وأضاف الدكتور حجو : ” كنت برفقة قاضي التحقيق الأول بإدلب ( والذي أعدمه الإرهابيون عند احتلال إدلب عام 2015 ) ، وفوجئ حينذاك بقراري تشريح بعض الجثامين ، وسألني عن سبب إصراري على القيام بعمليات التشريح بالرغم من الخطر المحدق وكثرة الضحايا وضيق المكان ، فأجبته ، دون تردد ، بأنني سأفعل ذلك لأجل الحقيقة وللتاريخ ، ولأثبت حجم المؤامرة التي تحاك ببراعة ضد سورية ” .

ولفت الدكتور حجو إلى أن نتائج التشريح أكدت ما ذهب إليه الفحص العياني المباشر ، حيث إن الطلقات المستخدمة في الهجوم هي من نوع متطور جدا ، وأن من استخدمها هم قتلة محترفون ، ومن خلال تشريح جثة أحد رجال قوة المؤازرة من السويداء ، تبين أن الطلقة القاتلة قد اخترقت الخوذة والعظم الجبهي والدماغ وعظم الصخرة والعظم القفوي والخوذة مرة أخرى ، وكل ذلك من مسافة بعيدة وسلاح فتاك .

كان نحو 120 عنصرا في مفرزة الأمن العسكري المحاصرة يقاتلون ببسالة ويتصدون لأكثر من 700 مهاجم ، في معركة محسومة النتائج ، حيث يفوق عدد الإرهابيين المهاجمين أعداد المدافعين بأضعاف ، وحيث موقع المفرزة لا يسمح لها بالدفاع ، إذ تقع في منخفض تحيط به التلال .

وحسب اعترافات إرهابيين شاركوا في المجزرة ، بثها التلفزيون العربي السوري عام 2011 ، بلغ عدد المهاجمين نحو 800 شخص ، تم توزيعهم على مجموعات ، بمحيط المفرزة ، مزودين بالأسلحة وبكميات هائلة من الذخيرة ، واستمرت المعركة خمس ساعات ، سيطر خلالها اليأس على المهاجمين نتيجة صمود المدافعين ، وبعد سقوط عدد كبير من الإرهابيين خلال المعركة ، قام المسلحون بتفخيخ مبنى المفرزة ببراميل من المواد المتفجرة باستخدام جرافة ، وتم تفجير البراميل ما أدى إلى سقوط عدد كبير من عناصر المفرزة ، وبالتالي إلى حسم المعركة وارتكاب مجزرة وحشية بحق من بقي على قيد الحياة من العناصر .

بقيت المدينة لمدة 5 أيام بلا أي وجود لأي سلطة حكومية ، وبتاريخ 10 حزيران – يونيو 2011 دخل الجيش لتوفير الأمن في المدينة ، ليتم بعد ذلك العثور ” تباعا ” على ثلاث مقابر جماعية ضمت جثث الشهداء وأشلاءهم ، وبتاريخ 20 من الشهر نفسه ، تم استخراج عشرين جثة من المقبرة الجماعية الثالثة بموقع نهر الأبيض ، بحضور وسائل إعلام محلية وخارجية ، ونحو 70 من الدبلوماسيين العرب والأجانب ، بينهم ممثلون عن الولايات المتحدة الامريكية وتركيا والاتحاد الأوروبي وإيطاليا والصين واليابان وروسيا والإمارات العربية المتحدة والصومال وفنزويلا .

وكان الدكتور زاهر حجو مكلفا بالإشراف على استخراج الجثث ومعاينتها ، حيث كشف لوكالة ” سبوتنيك ” أن وسائل إعلامية وسفراء عرب وأجانب بينهم السفيران البريطاني والأمريكي وسفراء خليجيون ، حاولوا تحريف الحقيقة وحرف الوقائع والتأثير في نتيجة التقارير الشرعية ، وجربوا في سبيل ذلك كل الوسائل بما فيها التهديدات بالقتل ، موضحا : ” كان هناك جثث متفسخة أكثر من الأخرى في المقبرة الجماعية الثانية ، أرادوا القول إنها جثث أشخاص قتلهم الجيش السوري في درعا ، وتم نقلها إلى جسر الشغور ، ولكن وقتها شرحت للجميع أن هذه الجثث الثمانية ” المتفسخة بشدة ” ، هي

جثث حراس مبنى البريد التي رميت في نهر العاصي ، وحيث إن التفسخ يحتاج الى رطوبة وأوكسجين ، والجثث كانت مغمورة بالماء ، توافرت لها الرطوبة ولكن لم تتعرض للأكسجين ، وبعد إخراجها من الماء وتعرضها للهواء ، تمت عملية التفسخ بسرعة هائلة لأنها مشبعة بالرطوبة ، وهنا تحصل ظاهرة ” رأس العبد ” .

وقال الدكتور حجو : ” لا أظن أن تاريخ البشرية شهد أقبح وأقذر مما افتعل بجثث شهداء المجزرة ، كان هناك تعمد لتضييع معالم الشهداء ومحو امكانية التعرف عليهم ، كانت 18 جثة مقطوعة الرأس ، وهناك عشرات الجثث التي دفنت في مكب القمامة ، وتشير الفحوصات إلى تعرض العناصر الأحياء إلى عمليات تعذيب وحشية ، قطعت بها أوصالهم، وأحدهم تم نشره طوليا إلى نصفين ، وآخران تم دفنهما حيين ، ويبدو أن الإرهابيين وجدوا بعد ذلك فسحة من الوقت للهو فلعبوا كرة القدم برؤوس الشهداء ، وهو ما أكده شهود عيان إضافة إلى فحوصات الطب الشرعي “.

وبعدما حررها الجيش العربي السوري ، وأعاد إليها الأمن والأمان ، قامت قطعان الإرهابيين باجتياح مدينة إدلب ومعها جسر الشغور في العام 2015 ، وحولتها تركيا إلى مدينة مستوطنات خاصة بـ ( المهاجرين ) من المقاتلين الصينيين ( التركستان ) وخاصة ريفيها الشمالي والغربي الذين يتصلان حدوديا مع الأراضي التركية ، وهي لا تزال ، حتى اليوم ، ترزح تحت نير الإرهاب .

انتهى الاقتباس

بقلم : حسام حسن

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *