الأحد, ديسمبر 8, 2019

Header ad
Header ad
آخر الأخبار

الحيطانُ دفاتر المُبادرين: فنٌّ أم «تلوّث بصري»؟

الحيطانُ دفاتر المُبادرين: فنٌّ أم «تلوّث بصري»؟

أثار مشروع رسم وتلوين منطقة «جسر الرئيس» في العاصمة السورية دمشق جدلاً واسعاً قبل فترة، بين من رحّب بالمشروع من جهة، ومن اعتبره «تشويهاً» للتراث والفن السوريّيْن من جهة أخرى. هذا الجدل ليس الأول من نوعه، إذ سبقته حالات كثيرة مماثلة. ثمّة أسئلة واجبة الطرح عن مؤهّلات من يقوم بتنفيذ هذه الرسومات، كما مؤهلات من يسمح بها أو يمنعها. خصوصاً أن هذه الظاهرة تشهد تنامياً متزايداً مع انخراط جمعيات ومبادرات عدة للعمل فيها، لتنتج لوحات فنية جميلة في بعض المواقع، و«خربشات» في مواقع أخرى.

يراقب سامر وزوجته «جسر الشيخ ضاهر»، بينما ينتظران سيارة أجرة تقلّهما من أمام المركز الثقافي في اللاذقية، فيما يكتظ الشارع بالسيارات والمارة. يرمق سامر الألوان والأشكال المرسومة على الجدار، ويقول: «لا أعرف قد تكون جميلة، ولكنها تشعرني بالغربة». الشاب الذي يعمل في مجال الكهرباء، يعتبر نفسه «بعيداً عن الفن»، ويقول : «لا يمكنني الحكم على هذه الرسومات، لا أشعر بالارتياح عند النظر إليها رغم أن ألوانها فرحة»، قبل أن تقاطعه زوجته ضاحكة: «أشعر أن هذه الرسومات هندية أو أفريقية، ربما أراد من رسمها أن يحضر أفريقيا إلينا».

على الرصيف نفسه، تقف شابة تحمل بين يديها مجموعة كتب. تقول الشابة، وتُدعى ريم، وهي مهندسة متخرّجة حديثاً من الجامعة: «عندما أُنجز هذا المشروع، العام الماضي، كانت الألوان أكثر حيوية. لقد فقدت الكثير من بريقها، ربما بسبب العوامل الجوية». تصف ريم ما تراه على جدار الجسر بأنه «فن بوهيمي، ربّما»، قبل أن تضيف، قائلة: «كان يمكن الاستفادة من هذه الألوان في خلق لوحات أجمل وأقرب إلينا».

نفّذت مشروع تلوين الجسر المذكور «منارة الشيخ ضاهر المجتمعية» التابعة لـ«الأمانة السورية للتنمية»، بهدف «تجميل» أحد أكثر الشوارع حيوية في اللاذقية، وفق تصريحات القائمين على المشروع، الذي أثار جدلاً حينها.

بسنادا وقبلة كليمت

في منطقة بسنادا في اللاذقية، تنتشر على عدد من الجدران والأدراج، لوحات لفنانين عالميين، مثل هنري ماتيس، وفان غوخ، وبابلو بيكاسو، وغوستاف كليمت وغيرهم. اللوحات التي تم رسمها ضمن سلسلة مبادرات لجمعية «أرسم حلمي» لم تلقَ أصداء كبيرة عموماً، ربما لأنها رُسمت في ضاحية بعيدة عن مركز المدينة.

الفنانة التشكيلية هيام سلمان، إحدى مؤسِّسات جمعية «أرسم حلمي»، تقول إن «العامل الأهم الذي يجب الأخذ به قبل تنفيذ أية رسومات على الجدران هو المكان ذاته». وتضيف أن «لكل لوحة أو فن مكاناً مناسباً، إذا كانت اللوحة جميلة ومتكاملة وفي غير مكانها فإنها ستلقى حتماً ردود فعل سلبية».

اعتبر المنتقدون أن الرسومات «لا تنتمي إلى التراث الفني السوري»

تشرح سلمان: «قمنا بتنفيذ لوحة القبلة لكليمت على أحد الأدراج في بسنادا، ولم نستقبل أي ردود أفعال سلبية، رغم أن اللوحة جريئة إلى حد ما»، وتتابع قائلة: «الهدف الرئيس هو تغيير بعض المفاهيم، والنظرة المجتمعية إلى الفن من جهة، وإلى المكان الذي تنفذ عليه اللوحات من جهة أخرى، خصوصاً أن بعض المناطق تعاني من الإهمال وتراكم الأوساخ وغيرها». وتشدد على أن هذه المشاريع «ليست كماليات كما يعتقد البعض».

تعتبر جمعية «أرسم حلمي» التي تضم فنانين ومتطوّعين من متفوقي كليات الفنون الجميلة والعمارة وغيرهم، من أولى الجمعيات الفنية في اللاذقية التي اهتمت بالرسم على الجدران والأدراج، وتقوم الجمعية بتنفيذ عدد من المشاريع المتعلقة بالأطفال والجداريات منذ تأسيسها عام 2011 وحتى الآن. كذلك، تنشط في اللاذقية جمعيات أخرى تُعنى بالرسم على الجدران بينها «قطرات ملونة» ومشاريع «الأمانة السورية للتنمية» وغيرها.

أزمة «جسر الرئيس»

بين ليلة وضحاها، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بصور لرسومات يتم تنفيذها في منطقة «جسر الرئيس» في دمشق، وسط انتقادات حادّة للقائمين على المشروع تتعلق باختيار الألوان وطبيعة الرسومات التي اعتبرها المنتقدون «لا تنتمي إلى التراث الفني السوري».

الفنان موفق مخول، المسؤول عن جمعية «إيقاع الحياة» التي تقوم بتنفيذ المشروع، يرى  أن الأمر «لا يحتمل تعقيدات كثيرة»، متسائلاً في الوقت ذاته عن «معنى التراث الفني السوري في منطقة بيتونية رمادية حديثة». ويضيف: «كل ما في الأمر أننا ننفذ لوحات تجميلية تهدف إلى إحياء منطقة مهملة مكتظة بالمارة وتتراكم فيها الأوساخ». يؤكد مخول أن «الهدف الرئيسي للمشروع هو إحياء هذه المنطقة، وإضافة البهجة إليها، لا يحتمل الموضوع أبعاداً أكبر من ذلك، خاصة أننا قمنا بالرسم أيضاً على حاويات القمامة، فهل يمكن أن نجسّد التراث السوري على حاويات القمامة؟!… نحن لا نعمل في متحف، التراث له أماكنه الخاصة، والحداثة لها أماكن أخرى».

«تمرّد على الحرب»

بدورها، ترى الفنانة التشكيلية السورية سوسن معلا، أن ظاهرة الرسم على الجدران وتناميها في الفترة الأخيرة ما هي إلا «تمرد ورد فعل على الحرب والآثار التي تركتها في نفوسنا»، وتتابع قائلة: «ربما ما يجري هو محاولة للتغلب على كآبة الحرب، بإضافة ألوان ورسومات ولوحات في شوارعنا، كطريقة للرد على الرمادية المادية الروحية».

وعن الجدل الذي يُثار بين وقت وآخر بسبب هذه الرسومات، تقول معلا: «الألوان الصارخة على الجداريات موجودة في كل العالم، والهدف منها جذب الأنظار لكسر الرتابة التي تخلقها الكتل البيتونية، هو نوع من الفنون الحديثة». وتضيف «لا يجب أن نبقى محصورين ضمن نطاق الزخرفة والنقوش الإسلامية والخط العربي، فهذا النطاق رغم جمالياته لا يمنع من التغيير والوصول إلى جميع شرائح المجتمع، فالفن بمجمله هو عملية تراكمية متطورة، ويضم مدارس كثيرة».

 

 

الأخبار – نينار الخطيب

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *