الأحد, أغسطس 9, 2020

Header ad
Header ad
آخر الأخبار

اعترافاتُ رجلٍ عازب… في يوم المرأة

اعترافاتُ رجلٍ عازب… في يوم المرأة

سامي كليب :

كانت تحملُ الرايةَ في طليعة الثوّار، وتهتفُ عاليا:” يسقط الفساد”، فصدّقتُ الأسطورة الأولى لحواء التي تمرّدت وأغوت آدم وأكلا من الثمار المحرّمة. دنوتُ منها أشدُّ على يدها، وشعرت بالاعتزاز. أحببتُها.

كانت تخبزّ خلف التنّور وعيناها تدمعان من دخان الحطب، ثم تلفُّ كل رغيف بحبّها وعنفوانها. كانت عيناها تلمعان وهي تُعطي ربطة الخبز لذاك الشاب الذاهب صوب الحدود يستعيد أرضا سليبة. نظرتُ اليها من البعيد، كانت متكئة على باب المنزل تلوّح بيدها للذاهب وقد لا يعود. أحببتها.

قالت لي ونحن نرتشف القهوة عند شاطئ البحر، أنها حفظت عن ظهر قلب شعرَ الشيخ الصوفي، ابن عربي عن الحب:
أديـنُ بدينِ الحــــبِ أنّى توجّـهـتْ
ركـائـبهُ ، فالحبُّ ديـني وإيـمَاني
قالت ذلك وهي ترتشفُ البحر بعينيها الحالمتين، لم أر احمرارا في وجنتيها، ولا رأيتُ خجلا، ولا هي شَعَرت بأن البوح عورةٌ وان المبادرة اليه عيبٌ. أحببتها.

قلتُ لها، حاذري، فثمة من لا يُحبّ التصوف وأهله، وبعضهم يقول نقلا عن رسول الله: “إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة”، قالت ان مشكلة رجال الدين عندنا أنهم اختلفوا على الكُتُبِ وتفسيراتها وتأويلاتها، ونسوا الله ورسوله، فلستُ اُفرّق بين مسلم ومسيحي وبوذي ويهودي وشيعي وسني وعربي وكردي وأمازيغي، الا بقدر ما يرفع شأن الانسانية ويدفع الظلم وينشد الحقّ وينبذ الباطل، وان لم تفعل فأنت ضالٌّ عن طريق الله وأنبيائه. أحببتها.
تَمَلمَلَتْ ونحن متجاوران في المسرح القديم، وأنا اصطنعتُ عدم الانتباه الى تململها. اخترعتُ قسماتٍ على وجهي توحي بأني هانئ بما أرى، ضحكت، وانحنت صوبي قائلة بصوت يُشبه الهمس أو أجمل:” أعرف أنك مثلي لم تُحبّ المسرحية، واعتذر منك فأنا لم أقرا عنها الكثير قبل أن أدعوك”. لم تكن تعرف أنها بمجرد دعوتي الى هنا بعد أن أهدتني كتابين، أدركتُ أني متجّهٌ طوعا صوب قصة عشق صاخبة وهادئة وهانئة. فالحبُّ بلا كتاب عاقر، والكتاب بلا حبّ جائر. من يتسلل الى القلب عن طريق العقل ثابتٌ، ومن يقتحم القلب عن طريق الجسد عابر.

كانت السماءُ ممطرة حين خرجنا من المسرح. هممتُ الى فتح مظلّتي الصغيرة. سارَعَـت الى اقفالها. ضحكت بصوتها الساحر. قفزت عن الأرض كطفلة شقيّة. تمايلت صوب الشمال وصوب اليمين. ثم عادت تتأبط ذراعي وتنظر صوب السماء، وكان الرذاذُ قد غسلَ وجهها وبلل شعرها القصير. التَفَتَت صوبي وقالت: ” إن امرأة لا تحبُ المطر، لا تعرف معنى العشق”. لم اقل شيئا. لكني فكّرتُ بأني منذ هذه اللحظة صرتُ أحب المطر أكثر والشمس أكثر وكذلك الشفَقَ وضوءَ القمر. فأنا ما عدتُ احبُّ كلَّ ذلك منذ ماتت أمي.

مَسحَت آخر قطرتي مطر عن عينيها، وقالت:” لا شك أن منظري مُضحك بعد هذا الحمّام الطبيعي”. ضَحِكَتْ مُجدَّداً. حاوَلَتْ أن تُبعدَ قليلاً فستانَها عن جسدها الملتصقٍ به بفعل الماء. سألتني ان كان مظهرُها يليقُ بدخولنا الى المطعم، قالتُ بشيء من خبث الرجال:” كيفما كنتِ جميلة، ثم أننا أصبحنا داخل المطعم، فالطاولة أمامنا، والمطر خلفنا، ولا سبيل لنا سوى الجلوس دون الاهتمام بما سيقوله الناس “. ضحكت ولم تهدأ. أخذتُ وجنتيها بيدي، وسألتها عما تريده في يوم المرأة العالمي. قالت:” أُريدُك أن تجدَني، فأنا مرسومة كقدر في خطوط يديك، ويوما ما سنلتقي”.
ربما.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *