الإثنين, أغسطس 26, 2019

Header ad
Header ad

أنثويات ..”الصمت “

أنثويات ..”الصمت “

خاص-شبكة أخبار دمشق -د. رفيف المهنا

الصمت هو عطر الأنوثة.
إذا لم يقترب صوتها من صمتها عليها أن تسكت ، أن تسكت في الحال ، و تعيد ترتيب كلماتها و كأنها بلا حروف .
اتركي الصوت لمن فقدوا إيمانهم بأنوثتهم و اتخذوا من فقر الروح ملجأ و غيبوبة .
اتركي الصوت خلفك و ارحلي .
لن تخسري شيئاً .
• • •
الصوت للغناء ، للبكاء ، للتشبه بالعصافير و حفيف الشجر ، لمسابقة الريح و الفوز عليها ، للحسرات و الآهات و الضحكات ، للحشرجات ، لخشبة المسرح ، لصرير أبواب الروح ، لأول المطر ، للوشوشة ، للنشيج ، للوداع ، للقاء ، لغبطة الأسرار تمر بين رحى الخطايا ، للاعتراف ، و الانكشاف ، للشعر ، للدندنة ، للصلاة ، لأول مشيٍ ، لأول سقوط ، للغضب ، للتنفس ، للبحر الحاضر ، لورق الخريف يغادر الشوارع ، لهمهمة طفل ينام ، لأزيز رصاصة ، لشهوة إمرأة خرساء ، للضوء على شبابيك الصباح ، للصباح و لأي شيء بعد كل شيء .
• • •
المذهل في الموناليزا أنها صامتة .
صامتة و تحث فينا نحن الواقفون أمامها أن نركّب كلاماً يليق بشفتيها إذا انثنتْ و صوتاً يليق بكلماتها عندما تغادر الحنجرة و صمتاً يحضنُ بذرةَ هذا الكلام كي لا يضيعَ هباءً .
يكتب البشر بحاراً من الكلام في شرح و تأويل صمتِ إمرأة .
الشعر ، كل هذا الشعر تسببتْ به إمرأة عاشقة على وشك التفتح و لا تتكلم .
البكاء ، كل هذا البكاء ، قادم من صدر إمرأة لم تقو أن تقول ” وداعاً “.
الصباح و ما يختلط به من ضجيج الكائنات ، هو الناطق الرسمي بلسان إمرأة نامت ليلة الأمس في غرفة أولادها على صوت صراخ الزوج .
الكون الجميل ، هو محاولة يومية لتضميد جراح الأذن بعد صوت نشاز .
الجمال توأم الصمت و شريكه في صناعة الضوء .
• • •
هناك كلامٌ قادم من صمت معتّق ، يتبخر في الهواء كعطر و صدفة ، و يُنسى بدون أن يَنسى .
و كلام قادم من ضجة و ضوضاء يتكدس في شوارع الروح ركاماً بلا معنى .
و كلام قادم من خوف و ضياع يركض كالكلاب الشاردة في مدينة مهجورة .
قُلْ لي من أين ينبعُ كلامك ، أقول لَكَ من أنت .
• • •
الأنثى الأنثى ، صوتُها هو صمتها
ما يغري فيها هو فأس الصمت المولود تواً في جسد من يقف أمامها ، فيحفر في نفق خوفه في انتظار نور ما ، يحفر و لا ينته إلا عندما يلمس نوره بيده.
محزنٌ منظرُ إمرأةٍ تتحدثُ كالذكور .
مؤلم صوت إمرأة تغضب فتشتم بكلمات الرجال الفقراء .
مميت جداً منظر إمرأة تضحك لإمرأة شتّامة .
الفُجر هي أن تتجاوز إمرأة حدود أنوثتها الأولى .
العُهر هو أنوثةٌ تتشبه بذكورة .
هو لا يثيره كلامكِ ، بل ما يمكن أن ينبت بين كل كلمة و كلمة من شقائق نعمان صامتة .
• • •
إذا لم يقل من يستمع لكِ و لعدة مرات :” كرري .. فلم أسمع ” فلا تتابعي .
إذا لم يختلط ملح الكلام ببهارات الصمت بطريقة لا نعرف فيها الأسود من الأبيض ، فلا تتابعي .
إذا لم تتكلمي بنفسِ رقةِ أن تمر يدكِ على جسدك وحيدة أمام مرآة فلا تقولي شيئاً .
إذا لم ينافسك ضجيجُ ضوء القنديل الحزين ،
فاتركي المكان في الحال .
اكتبي على جدران بيتك : ” من الصمت خرجتْ و إلى الصمت تعود “.
هو صوتك ، شمعة الجمال فيك ، لا تطفئيها برياح الكلمات .
• • •
الصمت هو المادة الأولية للموسيقا
لا تُصدر الموسيقا أصواتاً بل صمتاً متفاوتَ الأدوارِ و الاحجامِ و الظلال و النوايا .
الإناثُ آلاتٍ موسيقيةً .
الصمت ليدوزنَ لهن تفاصيل حياتهن عندما تأخذهنّ دروب الخوف و العتمة .
إمرأة لا تتوقف عن الكلام ، هي كمان مُقطّع الأوتار .
مع كل كلمة ينخفض مقدار الأنوثة في جسد الحياة بحجم حبة قمح .
• • •
الأب الذي يجيد الصمت .. أمٌ ثانية

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *