الأحد, يوليو 21, 2019

Header ad
Header ad
آخر الأخبار

أزمة المحروقات السورية بين العقوبات والسياسات

أزمة المحروقات السورية بين العقوبات والسياسات
تعاني سوريا منذ بداية الحرب، العام 2011، من صعوبة في تأمين المشتقات النفطية اللازمة سواء للتدفئة أو للسيارات والآليات أو لمحطات توليد الكهرباء. لكن الدولة السورية تمكنت من التعامل مع الأزمة وفق المعطيات المتوفرة بحيث بقي الحد الأدنى المطلوب متوفراً مع اختلاف نسبة توفره بين فترة وأخرى.

ولكن في الفترة الأخيرة، شهدت سوريا أزمة تتعلق بالعرض والطلب على مادة البنزين، التي لم تتأثر كثيراً خلال سنوات الأزمة، وبدأت طوابير السيارات الطويلة تتشكل على محطات الوقود على عكس المازوت والغاز وفيول محطات توليد الكهرباء.
وازدادت صعوبة بعد مذكرة وزراة الخزانة الأمريكية، الصادرة بتاريخ 25 مارس/آذار 2019. تنص هذه المذكرة على أن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، مع وزارة الخارجية وخفر السواحل الأمريكي، تنبيه الأشخاص حول العالم إلى مخاطر العقوبات الأمريكية الكبيرة على الأطراف المشاركة في شحنات البترول إلى الحكومة السورية. فتلك الشحنات “ستخلق مشاكل كبيرة وتتسبب في فرض عقوبات على الكيانات والأفراد في مجال النقل بما في ذلك شركات الشحن ومالكي السفن والمديرين والمشغلين وشركات التأمين والمؤسسات المالية. فلقد شاركت دول مثل إيران وروسيا في تزويد الحكومة السورية بالنفط. أولئك الذين يسهلون بأي شكل من الأشكال التحويلات المالية أو الخدمات اللوجستية أو التأمين المرتبط بهذه الشحنات البترولية أو غيرها من الشحنات معرضون لخطر استهدافهم من قبل الولايات المتحدة لفرض عقوبات. الولايات المتحدة ملتزمة بتعطيل الدعم المالي وغير القانوني للحكومة في سوريا بما في ذلك نقل النفط إلى موانئها المملوكة للدولة والتي تديرها، بغض النظر عن موقع أو جنسية من يسهلون هذا الدعم.”

كميات قليلة وفترة محدودة

دفعت العزيمة السورية في مواجهة هذه التحديات وزارة النفط الى فرض قيود إضافية على شراء الوقود بسبب “أزمة البنزين” والطوابير الضخمة على محطات الوقود، حيث تنص القيود الجديدة على إمكانية شراء كمية معينة من مادة البنزين كل فترة. وجاء في منشور الوزارة “كإجراء مؤقت بهدف توزيع البنزين بعدالة على جميع أصحاب الآليات تم تحديد المخصصات، حيث تم تخصيص 20 ليتراً لمختلف أنواع السيارات الخاصة خلال مدة 5 أيام”، كما حدد المنشور 3 ليترات للدراجات النارية أيضاً خلال 5 أيام، بينما سيارات التاكسي العمومية ستحصل على 20 ليتراً كل 48 ساعة.

إلى ذلك، تم افتتاح أول محطة وقود متنقلة، في دمشق، تبيع بنزين “اوكتان 95” الذي استوردته الوزارة من لبنان في منطقة المرسوم 66 بالمزة على مدار الـ 24 ساعة بالسعر العالمي نحو 600 ليرة سورية لليتر الواحد. ونشرت محافظة دمشق على صفحتها الرسمية صوراً لمحطة المحروقات الجديدة، ترصد لحظة تفقدها من قبل محافظ دمشق، المهندس عادل العلبي، صوراً تعكس بدء العمل في المحطة المتنقلة يظهر فيها تجمع عدد من السائقين الراغبين بالحصول على بنزين حر.

آراء متباينة

يقول الخبير الدكتور سنان ديب، رئيس جمعية العلوم الإقتصادية، في تصريح له “ما يوجد هو ازدحام على الكازيات وليس فقدان للمادة والسبب إشاعة أن سعر المادة سيرتفع خارج البطاقة الذكية. هذه البطاقة التي كنا من أوائل من رفضها قبل الحرب المركبة ولكنها أصبحت ضرورة وخاصة أنها قد حلت تدريجياً أزمة الغاز المنزلي التي حاول البعض افتعالها كإبتزاز وإرهاب سياسي ولم يكن هناك أزمة بنزين قبل الإشاعة رغماً من استعمال البطاقة الذكية وخاصة بمحافظة اللاذقية”، وأكد ديب أن انفراجاً قريباً سيحصل وتنحل أزمة البنزين مثلما حصل بأزمة الغاز.

وتابع الدكتور ديب “البطاقة الذكية التي كان حجم التوفير اليومي بسببهاً حوالي 1.5 مليون لتر كانت تهدر وأغلبها يهرب وجزء منها يتاجر بها أصحاب الكازيات والوفر المحقق حسب تصريحات الحكومة 675 مليون ليرة يومياً وحوالي 243 مليار سنوياً، وهو ما يشكل 18 % من كتلة الرواتب والأجور.”

وأضاف ديب أن توزيع البنزين وفق البطاقة طريق لتوصيل الدعم لمستحقيه فكون وسائل النقل الجماعي الخاصة سيارات الأجرة ستعطى مخصصات تكفي للقيام بالعمل وفق المعتاد. أما بالنسبة للسيارات الخاصة، فالكمية تكفي للأغراض الإعتيادية، وأما من يقتني سيارات فوق 1600 فاقتناءها يضع هؤلاء ضمن الطبقة الغنية وضمن الرفاهية التمييزية عن المجتمع ولن يؤثر عليهم السعر الآخر إن اتخذ القرار. وحسب الإستطلاعات، دفعت الإشاعة أغلبية الناس إلى محاولة ملء الخزانات ولو لم يكونوا بحاجة رغما من ساعات الإنتظار.

وختم الدكتور ديب “يوجد مغرضين مرتبطين بدول همها ابتزازناً سياسياً كما يوجد فاسدين وبعض الأغبياء المرتبطين الذين هدفهم تشويه صورة الدولة ممثلة برئيسها.”

في المقابل، كان لعضو مجلس الشعب، الدكتور حسين راغب، رأياً مغايراً حيث يرى، وبحسب المعطيات المتوفرة حالياً، أن أزمة البنزين مستمرة وتتجه نحو مزيد من التأزيم للأسباب التالية:

أولاً: العقوبات الإقتصادية الأمريكية الأخيرة وإنفاذها بالتهديد المستمر بالقوة العسكرية المتواجدة بالبحر الأبيض المتوسط وقصف أي ناقلة للمشتقات النفطية متجهة نحو سوريا.

ثانيا: قيام الولايات المتحدة بمعاقبة ومراقبة الأفراد والطواقم والسفن والتشدد في منع التحويلات.

ثالثاً: عدم إمكانية تطبيق تعهدات الخط الائتماني الإيراني حيث توقف تدفق مليوني برميل نفط شهرياً، أسهموا في تأمين احتياجات سوريا من المشتقات النفطية.

رابعاً: عدم السماح لأي ناقلة نفط متجهة إلى سوريا بالعبور من قناة السويس.

خامساً: إحجام العديد من شركات الشحن العالمية عن التقدم لنقل الإمدادات النفطية إلى سوريا.

ويختم الدكتور راغب بالقول “نحتاج إلى تدابير فعالة من قبل أصدقائنا الروس لحماية الإنجازات العسكرية بمناعة إقتصادية تقلل من فاعلية العقوبات الاقتصادية الأمريكية.”

فساد وإحتكار

وقالت الخبيرة الإقتصادية، الدكتورة نسرين زريق، عن تصريح رئيس الوزراء السوري، المهندس عماد خميس، بخصوص منع السفن من المرور بقناة السويس إن “الخبر بالحقيقة معقد بسبب تناقض التصريحات ولا يمكن الجزم به، إذ أن التأكيدات المصرية والمطالبة بمعرفة أرقام السفن المعطلة قد يتنافى مع خبر احتجازها. لكنني اظن بأن مصر من الدول التي تطبق العقوبات الإقتصادية على سوريا. ولذلك، فإن الإحتجاز غير مستبعد.”

أما فيما يخص عمليات التهريب، قالت الدكتورة زريق “طبعاً. هناك عمليات تهريب ضخمة تحدث والفساد موجود من قبل الحرب وازدهرت أحواله خلالها، وإلا لما استوجب ذلك حملة ضد التهريب الحكومية رغم أنها طالت المحلات التي تبيع البضائع بالتفرقة ونادراً ما اقتربت من مستودعات جملة التهريب؟ أظن ان من اقترب قد أرسلوه كمكافأة لعمل اخر.

وعن هذه الظاهرة، أضافت الدكتورة زريق “نشأت مشكلة التهريب لدينا نتيجة للإهمال والفساد اللذين انتشرا بسبب الأوضاع خلال الحرب. لكن في المقابل، لا يصح أن يكون مسبب المشكلة هو المداوي لها إذ تحول الموضوع إلى حملة جباية غرامات وتحصيل رشاوى بالملايين، لبعض المتنفذين، من مختلف المحلات التجارية والمصانع التي تهرب المواد الأولية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع وسعر الصرف لتعويض الخسائر. لقد كانت هذه الحملة سيئة الإستخدام بالمطلق.”

فيما يخص المحروقات، تشير الدكتورة زريق إلى أن “بالنسبة إلى مسألة الإساءة في الإستخدام، فهذا الموضوع يعود إلى ما قبل الحرب حيث كانت دول الجوار تستفيد من دعم المحروقات، ولكن هذا لا يعني أن نعفي الفاسدين من الجمارك من المسؤولية وأن مفتاح الحل يبدأ من هناك وليس من بيع المحروقات بخمس أضعاف السعر لمنع التهريب. إن هذا السعر سيؤدي إلى انهيار الأسواق وارتفاع الأسعار بشكل جنوني إن استمرت هذه الحالة.”

وعند السؤال عن المانع من تأمين المشتقات النفطية عبر العراق، أكدت الدكتور زريق بأن العراق وبحكم الإحتلال الإمريكي “شدد علينا الخناق كثيراً بموضوع دعمنا منذ البداية، فالعراق يرقد على بحار من البترول كان بالإمكان الإستفادة منها. أما بالنسبة إلى إيران، فهي حليفنا الوحيد المعاقب اصلاً والذي يمكنه الوقوف معنا بذلك هذا بتقديري.”

في الختام، طرحت الدكتورة زريق عدة تساؤلات أبرزها عما أدلى به رئيس الوزراء من أن الخط الائتماني متوقف منذ ستة أشهر “وهنا استغرب لماذا انتظرنا لحدوث أزمة بنزين لنعاود استيراد المحروقات مع أن وصول باخرة المكثفات توضح أن هناك إمكانية لذلك؟ برأيي، إن كان للحصار دور في الأزمة الاخيرة فهو لا يتعدى الـ 10%، بينما دور الإحتكار يصل إلى 90% من أجل الوصول إلى مرحلة رفع الدعم الإجتماعي ورفع أسعار المحروقات في هذه الظروف الإقتصادية الحساسة في البلاد من الحصار والعقوبات والحرب خصوصاً وأن تلك الإجراءات لم تترافق مع تعويض نقدي مجدي.”

أما السؤال الأساسي الذي تطرحه الدكتورة زريق فهو “ما فائدة الدعم في حالة السلم؟ الدعم أساساً تم إيجاده في الثمانينات لمساعدة الناس على تجاوز عقوبات تلك المرحلة. لماذا يتم الغاءه عندما فرضت علينا مزيد من العقوبات الآن؟ برأيي، التوقيت مدمر خصوصاً وأن الدعم كفكرة أهميته في أن يطبق اليوم وفي هذه الظروف بالتحديد. فإن كان لا يصل إلى مستحقيه، يمكن الغاؤه ويستبدل بتقديم بدل مادي يوزع على الشعب.”

حل من إثنين

للخروج من الدائرة الحالية، يرى العديد من المراقبين بأنه يفترض العمل بأحد حلين، طالما بقيت ظروف العقوبات والتضييق على الشحنات باتجاه الموانئ السورية؛ الحل الأول، نقل المشتقات براً من إيران عبر العراق إلى سوريا، وهنالك معلومات متداولة عن إمكانية التوجّه لهذا الخيار رغم طول الطريق والمخاطر الأمنية على الحدود.

أما الحل الثاني، فيكمن في استعادة حقول النفط الغنية شرقي الفرات عبر حل جريء لملف شرقي الفرات برمته. حل يبدو ضاغطاً اليوم أكثر من أي وقت مضى مع اشتداد تأثير الضغوط على السوريين في معيشتهم واقتصادهم وخطط إعادة الإعمار.

وفق هذا المنظور، يمكن فهم كلام وزير الدفاع السوري، العماد علي أيوب، خلال الاجتماع العسكري رفيع المستوى الذي ضم رئيسي أركان الجيش العراقي، الفريق عثمان الغانمي، والقوات المسلحة الإيرانية، اللواء محمد جعفري، في 18 مارس/آذار 2019. حيث أكد أن الورقة المتبقية للأميركيين في سوريا هي “قسد”، وسيتم التعامل معها إما بالمصالحات أو بتحرير الأرض. حلان يبدوان صعبين لكن لا بديل عنهما طالما لا توجد في الأفق المنظور إمكانية للتخلص من العقوبات الأميركية التي تطال بدرجة أقسى إيران، الحليف الرئيسي لسوريا.

 

إعداد: يارا انبيعة
مصدر الأخبار: سيتا + وكالات.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *